Basilian Salvatorian Order - Ordre Basilien Salvatorien

لمحة تاريخيّة



المطران أفتيميوس الصيفيّ


تأسيس الرهبانيّة


وصيّة المؤسّس لرهبانه

المطران أفتيميوس الصيفيّ

 

   هو ميخائيل بن موسى الصيفيّ وكاترينا الدبّاس. وُلد في دمشق نحو سنة 1643، ويعود أصل عائلته إلى مدينة بعلبك. تدرّج في العلم منذ صغره في الدار البطريركيّة في دمشق، وزادت ثقافته اتّساعًا بفضل اتّصاله بالآباء المرسَلين من يسوعيّين وكبّوشيّين وغيرهم، الذين كانوا قد بدأوا يتوافدون إلى الشرق. كان متبحّرًا في العلوم اللاّهوتيّة والطقسيّة وباللغة اليونانيّة، ولكثرة علومه لُقِّب بـ" قفّة العلم". أتقن الطبّ العربيّ، وعندما انتخب أسقفًا على أبرشيّة صيدا، سعى إلى فتح مستشفى في المدينة كي تهتمّ بالحجّاج الوافدين إلى الشرق وتعتني بالفقراء. رسمه المطران ناوفيطوس الصاقزي شمّاسًا إنجيليًّا سنة 1666، ثمّ كاهنًا نحو سنة 1668، فأخذ يعمل في الدائرة البطريركيّة. ولشهرة فضيلته وعلمه، طالب به أعيان مدينة صيدا أسقفًا عليهم، خلفًا للمطران إرميا، فرسمه البطريرك كيرلّس الخامس عام 1682، واتّخذ اسم أفتيميوس. ساس الأبرشيّة بغيرة وتفانٍ، وعمل جاهدًا في سبيل تعزيز الوجود المسيحيّ في أبرشيّته، فأتى بعائلات ملكيّة من سوريّا وأسكنها في منطقة صيدا وجوارها. كما عمل جاهدًا في سبيل وحدة المسيحيّين مع الكرسيّ الرسوليّ في روما. وعانى من أجل ذلك الاضطهاد والرذل. كُلِّلت غيرته على إيمانه الكاثوليكيّ بسجنه في قلعة صيدا، مدّة 90 يومًا. على أثر خروجه من السجن، قام بزيارة راعويّة في أنحاء أبرشيّته، كما أنّه زار دير المخلّص، ثمّ توجّه إلى دمشق، وهناك توفّيَ في 27 تشرين الثاني سنة 1723، متأثّرًا بالآكلة التي سبّبتها له السلاسل التي كان مقيّدًا بها أثناء سجنه في صيدا. وقد شُيِّع باحتفال مَهيب ودُفن في مقبرة البطاركة في دمشق. من أهمّ مؤلّفاته، كتاب الدلالة اللاّمعة بين قطبَي الكنيسة الجامعة، وقد طُبع في روما سنة 1710، وأُعيد طبعه في مطبعة الفرنسيسكان في القدس سنة 1863، ومخطوط آخر بعنوان رسالة كشف أستار الشاغفين بالتدليس ورفع الحجاب عن الوامقين شريعة السيّد المسيح.

 




تأسيس الرهبانيّة

تسلّم المطران الصيفيّ مهامه الراعويّة في أبرشيّته، التي كانت تمتدّ من نهر الدامور شمالاً إلى عكّا جنوبًا، ومن ساحل صيدا غربًا إلى وادي التَيم شرقًا. وشرع في البحث عن كيفيّة تأمين الخدمة الروحيّة للمؤمنين القاطنين فيها. وبفضل غيرته استطاع في وقت قصير أن يجمع حوله عددًا من الكهنة، الذين شكّلوا نواة الرهبانيّة التي كان مصمّمًا على إنشائها، وكان ذلك نحو سنة 1683. فسكنوا معه في دار المطرانيّة في صيدا، يعيشون حياة الجماعة والرسالة. كانت غاية المطران الصيفيّ أن ينشئ جمعيّة على غرار الإرساليّات الأجنبيّة، فيجمع رهبانُها حياة الرسالة مع الحياة الديريّة، والعلم، الذي كان يُعوز كهنة الشرق آنذاك، مع القدرة على التواصل مع الناس بلسانهم العربيّ، الأمر الذي لم يكن يقدر عليه لمرسَلون الأجانب.




وصيّة المؤسّس لرهبانه

"يا أولادي، إفرحوا ولا تغتمّوا، فهٰذه مشيئة الربّ. فأنا أسّستكم وصيّرتكم قربانةً رهبانيّةً مقدّسةً، وجئتُ بكم من أماكن مختلفة وبلادٍ بعيدةٍ متفرّقة، وكمّلتكم بالوسم الكهنوتيّ المقدّس، ووضعتُ البعضَ منكم في خدمة الرعيّة الكاثوليكيّة، ليس لكي أمكثَ هنا بطّالاً مستريحًا، بل لكي أجدّ بواسطتكم في فلاحة كرم المسيح في رعيّتي وفي كلِّ مكان. وأنا أجولُ أُثبّتُ المسيحيّين. وإنّ ما حصل لي من المكروه أو سوفَ يحصل، ليس هو إلاَّ نزرًا يسيرًا بالنسبة إلى ما قاسه رسل المسيح الكرام والأساقفة العظام وكلُّ مبشِّرٍ صالحٍ تابعٍ الكنيسة الرومانيّة. فإذًا هٰذا لا يكونُ مني أبدًا، ولا أريد أن يكون منكم. وأنّي ما دمتُ حيًّا مستعدٌّ لأن أضحِّيَ حياتي لسيّدي يسوع المسيح الذي ضحّى حياته لأجلنا. وإنّي راغبٌ أن أُبشِّرَ بالإيمانِ الكاثوليكيّ في كلِّ آنٍ وأينَ تيسّرَ لي الإنذار فيه. وما رغبتُ قطّ في عمار هٰذا الدير لراحتي ولا لراحتكم. ولا صيّرتكم رهبانًا متدرّجين لكي تخدموا ديركم وذواتكم فقط. ولا قصدتُ أن أجعل سكّان هٰذا الدير عقيمين من كلِّ ثمرة نظرًا للقريب. ولا ٱعتنيتُ في قيامه لكي أَملُكه وأعتاش بمداخيل أرزاقه، ويكون خاصّتي وخاصّة ورثائي في الأسقفيّة. معاذَ الله. بل أقول الآن حيث ٱتّجه لي الكلام، كما قلت قبلاً. إنّي أريد أن أُظهرَ لدى الملإ من عالٍ ودون ورئيسٍ ومرؤوس، أنّ هٰذا الدير وكلّ ما له من رزق ثابتٌ ومنتقلٌ الآنَ وما سيكون، هو خاصّة الرهبان المنتمين إليه وبٱسمه، وليس حقٌّ لأحدٍ من خلفائي المزمعين أن يصيروا أساقفةً على الأبرشيَّتَين المتولّي عليهما، أن يداعي الرهبان بشيء ممّا هو في حوزَتهم وتحت تصرّفهم، لا من عمار ولا من خلافه مطلقًا. ولا يُطلب منهم مدخولاً. ولا لأحدٍ أيضًا حقُّ التملّك عليه لا بطريرك ولا مطران ولا أيٍّ كان. وها إنّي أُقرُّ إقرارًا تامًّا، وأشهدُ على نفسي أمام الله الضابط الكلِّ، وأنا بتمامِ عقلي وإرادتي الحرّة ووعيي الكامل، أنّ ما لي حقُّ التسلّط على هٰذا الدير بسبب تملّك، لا داخلاً ولا خارجًا على أرزاقه وعلى ما فيه. ولا لخلفائي حقُّ تملّكٍ فيه بقبضٍ أو صرف. بل هو دير مشاعٍ لأبناء الطائفة الملكيّة الكاثوليكيّة الموجودين فيه والمزمعين أن ينضمّوا إليهم للترهّب فيه. وقد بايعتُ الرهبان بتفريغٍ تامٍّ الآنَ وما سيأتي إلى الأبد. وما قصدي من إنشائه إلاّ لكي أجمعهم فيه، وأن يتملّكوه أحرارًا، وأن يشتروا أرزاقًا، ويوسِّعوا حدوده، ويغرسوا ويبنوا ويؤسّسوا غيره، ويصرفوا ويبيعوا ويجمعوا بحرّيتهم المطلقة، قدر ما يستطيعون، وأن يستعينوا به على معاشهم وقيام مدارسهم وزينة معابدهم وصفة حالهم وتوزيع حسناتهم على الفقراء، ويكونوا قدوةً صالحةً للرعيّة. حيثُ إنِّي بكلِّ خاطري وأقصى رضاي، أرغب أن يكونَ منهم الكهنة المصرفون في خدمة الأنفس في أبرشيّتي وغيرها، أينما يوجد روم متّحدون مع السدّة الرسوليّة و(أن يكون) كذٰلكَ الشمامسة معلّمو الأحداث منهم. وإنّي أطلقتُ عليهم تسمية مرسلين لخدمة الرعايا، حسبما حرّرتُ للأبِ الأقدس والمجمع الرسوليّ المقدّس، وحسبما وقفتُ على خاطر بطركي كيرلّس الكاثوليكيّ. وعلى ذٰلكَ صدر أمرهُ مِرارًا لأجل مجد الله الأعظم وخير النفوس للجهاد، بردِّ مَن يروم أن ينتمي لوحدة الإيمان المقدّس والنموّ بٱكتساب الفضائل الإلٰهيّة والأدبيّة وتحسين السيرة والطاعة أوّلاً للحبر الرومانيّ ولباقي الرؤساء الكنسيّين والقانونيّين".