Basilian Salvatorian Order - Ordre Basilien Salvatorien

رسائل غبطة البطريرك



رسالة صاحب الغبطة بمناسبة عيد الميلاد 2015

الجزء الثاني من الرسالة حول الأزمة السُّوريَّة 2014

رسالة غبطة البطريرك غريغوريوس الثالث لعيد الفصح 2014


رسالة الصوم الأربعيني الكبير 2014


رسالة غبطة البطريرك غريغوريوس الثالث لعيد الميلاد 2013

رسالة صاحب الغبطة بمناسبة عيد الميلاد 2015

رسالة صاحب الغبطة
البطريرك غريغوريوس الثَّالث
بطريرك أنطاكية وسائر المشرق والإسكندريَّة وأورشليم
للرُّوم المَلَكيِّين الكاثوليك
بمناسبة عيد الميلاد المجيد
25 كانون الأوّل 2015
 
من غريغوريوسَ عبدِ يسوعَ المسيح
برحمةِ الله تعالى
بطريرك أنطاكية وسائر المشرق
والإسكندريّة وأورشليم
 
إلى الإخوة السَّادة المطارنة، أعضاء المجمع المقدَّس الموقَّرين
وسائر أبنائنا وبناتنا بالمسيحِ يسوع، إكليروسًا وشعبًا،
المدعوِّين قدِّيسين، مع جميع الذين يَدعُون باسم ربِّنا يسوع المسيح، ربِّهم وربِّنا
نعمةٌ لكم وسلامٌ من الله أبينا، والرَّبِّ يسوع المسيح (اكور: 1-3).
 
 
 
"
إنّي أُبشِّركُم بفرحٍ عظيمٍ"
"
لقد وُلِدَ لكم اليوم مخلِّص هو المسيح الربّ" (لوقا 10:2-11)
عيد ميلاد السيد المسيح بحسب الجسد 25 كانون الأول 2015
"
إنّي أُبشِّركُم بفرحٍ عظيمٍ"
"
لقد ولد لكم اليوم مخلِّص هو المسيح الربّ" (لوقا 10:2-11)
 
       
بهذه الآية يبدأ الإنجيل المقدَّس. إنَّه بشرى يسوع للناس، كلّ الناس، لهذا العالم، الذي هو عالم الله.
       
الإنجيل يعني بشرى صالحة، جميلة، محبَّبة، فرحة، مبهجة، معزِّية، قويَّة، شافية، سامية، قريبة إلى كلّ إنسان.
بالبشرى! بالإنجيل! بالفرح! هكذا يبدأ إنجيل ربنا وإلهنا ومخلِّصنا يسوع المسيح. وهكذا تبدأ المسيحيَّة. وهكذا يبدأ إيماننا المسيحي المقدَّس.
هذا هو عيد الميلاد المجيد. في هذا العيد، وفي هذا العام نسمع من جديد ملاك الميلاد في الليلة الظلماء، في حقول بيت ساحور وبيت لحم، وفي كلّ أرجاء العالم،نسمع من جديد صوت الملاك يبشِّرنا كلّنا بدون استثناء، ويبشِّر بنوعٍ خاصٍّ كلَّ من تصله هذه الرسالة: إنَّني أبشِّركم بفرحٍ عظيم. إنَّني أحمل لكم إنجيلاً. هو إنجيل الفرح. هذا الفرح هو  يسوع نفسه، المخلِّص، المسيح الرّبّ، الفادي، الصديق، الإله المحبّ البشر، الكثير المراحم، المحبّ الصدِّيقين والراحم الخطأة، والداعي الكلّ إلى الخلاص بموعدِ الخيرات المنتظرة.
اليوم أكثر من أي يوم مضى، يحتاج عالمنا، نحن نحتاج، تحتاج عائلاتنا، تحتاج بلادنا... يحتاج كلّ إنسان معذَّب، خائف، متشكِّك، جائع، عطشان، نازح، مريض، يائس، يحتاج إلى الفرح! ولهذا السبب اخترت هذا العنوان لرسالة الميلاد في العام الخامس لدرب صليب بلادنا العربيَّة، لاسيَّما سورية.
عالمنا العربي، كنائسنا، جماعاتنا، بطاركتنا، مطارنتنا، كهنتنا، شمامستنا، رهباننا، راهباتنا، وأبناء رعايانا وبناتها، مواطنونا، العالم بأسره... كلّهم يحتاجون إلى هذا الفرح الذي يبشِّر به ملاك عيد الميلاد المجيد: "إنّي أبشِّركم بفرحٍ عظيم"!
بهذه البشرى ومن خلال هذه الرسالة نتوجَّه إلى جميع كنيستنا الروميَّة الملكيَّة الكاثوليكيَّة، رعاة وإكليروسًا، وشعبًا... لا بل نتوجَّه إلى جميع الناس، وإلى كلّ من يقرأ هذه الرسالة، نتوجَّه بهذه البشرى لكي نبعث في قلب الجميع فرحًا جديدًا، هو فرح الإنجيل، فرح الربّ يسوع المخلِّص، الطفل الجديد، والإله الذي قبل الدهور.
هذا ما دعانا إليه قداسة البابا فرنسيس في الإرشاد الرسولي "فرح الإنجيل" (عام 2013)، قائلاً: "فرح الإنجيل يملأ قلب وكلّ حياة جميع الذين يلتقون يسوع. أولئك الذين ينقادون له، يحرِّرهم من الخطيئة والحزن والفراغ الداخلي والعزلة. مع يسوع المسيح يولد الفرح ويولد دائمًا من جديد" (فرح الإنجيل 1).
بشرى الميلاد "إنَّني أبشِّركم بفرحٍ عظيم"، هي صدى لما ورد في كتب العهد القديم، لا بل هي البشرى التي انتظرتها الأجيال والتي تحقَّقت بميلاد المسيح ونقلتها إلينا كتب العهد الجديد.
الفرح في التوراة
العهد مع الله في تاريخ شعب العهد القديم، هو عهد فرح! هو عيد! وهو التعبير الأصدق عن الإخلاص!
وهذه بعض الآيات من بعض الأسفار التي تشير إلى فرح الشعب بالخلاص الآتي من الله. (آيات مختارة في الملحق)
الفرح في العهد الجديد
الإنجيل هو بشرى الفرح. وهنا أيضًا نريد أن نسرد الآيات التي تدعو إلى الفرح. فلا إيمان بالمسيح بدون الفرح بالمسيح. ميلاده هو ميلاد الفرح: إنَّني أبشِّركم بفرحٍ عظيم! وُلِدَ لكم مَخلِّص! هو المسيح الرَّبّ.
وهذه بعض الآيات الواردة في الإنجيل حول الفرح (راجعها في الملحق)
 
الفرح في رسائل الرسل
القدّيس بولس هو رسول الفرح. ومن أقواله الكثيرة: "إنَّني أفيض بالفرح في مضايقي" (2كور 7، 4). وهذا هو لسان حالنا كلّنا وهذا هو السبب الذي من أجله اخترت موضوع هذه الرسالة، بالرغم من الظروف المأساويَّة الدامية المفجعة، المحزنة، التي تمرّ بها بلادنا ونمرّ بها كلّنا...
ومن أقواله الجميلة: "إفرحوا بالربّ كلّ حين. وأقول أيضًا إفرحوا! ليكن حلمكم معروف عند جميع الناس. الربّ قريب! لا تهتموا بشيء بل في كلّ شيء بالصلاة والدعاء مع الشكر لتُعلم طلباتُكم لدى الله. وسلام الله الذي يفوق كلَّ عقل يحفظ قلوبكم وأفكاركم في المسيح يسوع" (فيليبي 4:4-7). (المزيد من الآيات في الملحق)
       
الفرح في كتب الصلوات اليوميَّة
أستعرض هنا بعض الآيات في الصلوات اليوميَّة، أو ما نسمِّيه السواعية. صلواتنا دعوة دائمة إلى الفرح. ولذا يمكننا أن نقول: من يصلِّي يفرح! فلا صلاة بلا فرح. ولا فرح بلا صلاة!
"
يُبصرُني الذينَ يتَّقونكَ فيفرحون. لأَني رجوتُ أَقوالَكَ" (المزمور 118)
"
إِليكِ أنتِ السورَ المنيعَ وحِصنَ الخلاص. نبتهلُ يا والدةَ الإلهِ العذراء. فأَبطِلي مُؤَامرَات الأعداء. وحَوِّلي حزنَ شعبِكِ إلى فرح. وأَنعِشي عالمكِ. وأَيِّدي المتَّقين. و@336;شْفعي في سَلامِ العالم. لأَنكِ أنتِ. يا والدةَ الإله. رجاؤُنا"
"
وليَفرَحِ الصدّيقون. ليبتَهِجوا أمامَ الله. ليطرَبوا سُرورًا"(المزمور 67)
"
ليبتَهجْبكَ جميعُ مُلتَمِسيكَ يا الله ويفرَحُوا. وليَقُلْ في كلِّ حينٍ مُحبُّو خلاصِكَ: تعَظَّمَ الربّ" (المزمور 69)
"
وأَمَّا الملكُ فيفرحُ بالله. وكلُّ مَن يَحلِفُ به يُمتدَح. لأَنَّ أفواهَ الناطقينَ بالجَور تُسَدّ" (المزمور 62)
"
هَلُمُّوا يا جميعَ المُؤمنين. نَسجُدْ لِقيامةِ المسيحِ المقدَّسَة. فهُوَذا الفرحُ قد شَمِلَ العالَمَ كُلَّهُ بالصليب"
"
يا عُذوبةَ الملائكة. وفرَحَ الذينَ في الضِّيق. ونصيرةَ المسيحيِّين. يا أُمَّ الربِّ البتول. أعضُدِيني وأنقِذيني من العذاباتِ الأبديّة"
آيات آخر السحر (الأبوستيخن): "إمْلأنا بالغداةِ من رحمتِكَ يا ربّ. فنَبتَهِجَ ونفرَحَ في كُلِّ أَيَّامِنا. فرِّحْنا بدَلَ الأَيَّامِ التي عَنَّيتَنا فيها. والسِّنينَ التي رأينا فيها المَسَاوئ. لِيَظهَرْ صُنعُكَ لعبيدِكَ ومجدُكَ لِبنِيهِم."
"
يا مَن رُفِعَ على الصَّليبِ طَوعًا. أَيُّها المسيحُ الإِله. إِمنحْ رأفتَكَ لشعبِك الجديدِ الملقَّبِ باسمِكَ. فَرِّحْ بقدرَتِكَ عبيدَكَ المؤمنين. مانِحاً إِيَّاهمُ الغلبة على محاربيهِمْ. لِتكنْ لهم نصرتُكَ سِلاحَ سلامٍ. ونصرًا ثابتًا."
"
لقد فَرَّحتَنايا ربُّ بصنائِعِكَ. وأبهَجتَنا بأَعمالِ يدَيكَ. لِيرتَسِمْ علينا نُورُ وجهكَ يا ربّ. أَعطَيتَ قلبي سرورًا يفوقُ سُرورَهم. عِندما تكثُرُ غَلَّةُ حِنطَتِهم وخَمرِهم وزيتهم. حالما أَضَّجعُ أَنامُ بسلام. لأَنَّكَ أنتَ يا ربُّ وحدَكَ في الطُّمأنينةِ تُسكِنُني."
"
إِرحَمْني يا ربّ. فإِني أَصرُخُ إِليكَ النهارَ كلَّهُ. فرِّحْ نفسَ عبدِكَ. فإِني إِليكَ رفعتُ نفْسي" (المزمور 85)
"
إِهدِني يا ربُّ في طريقِكَ. فأَسلُكَ في حَقِّكَ. ليَفرَحْ قلبي في مَخافةِ اسمِكَ" (المزمور 85)
"
لِيَكُنْ مَجدُ الرَّبِّ إِلى الدُّهور. ليَفرَحِ الرَّبُّ بأَعمالِهِ" (المزمور 103)
"
فَليَلَذَّ لهُ نشيدي. وأَنا أَفرَحُ بالربّ"(المزمور 103)
"
إِهدِنا طريقَكَ لنسلكَ في حقِّكَ. فرِّح قلوبَنا لنتَّقيَ اسمَكَ القدّوس."
صلواننا دعوة دائمة إلى الفرح. لا بل لدينا كتب طقسيَّة اسمها تعزية وفرح. هكذا كتاب المعزِّي أو كتاب الثمانية ألحان، وهو الكتاب الأساس في صلوات الغروب والسحر. تتردَّد صلواته على مدار السنة، كلّ ثمانية أسابيع. الأناشيد والصلوات الوارده فيه هي حقًا ينبوع تعزية وفرح وقوَّة وشجاعة ومعنويات... وهو رفيق الراهب والكاهن والراهبة! ولهذا ندعوهم إلى المواظبة على تلاوته يوميًا!
فرح الإنجيل
بعد استعراض هذه المجموعة الكبيرة من الآيات الجميلة حول الفرح (راجعها في الملحق)، لي أمنية أن تصبح آياتٍ ترافق حياتنا اليوميَّة وتبعث الفرح في قلوبنا. وتصبح هذه المجموعة خبزنا الجوهري النابع من ثقتنا بمحبَّة الله لنا.
ويسرُّني في هذه الرسالة أن أنقل إلى الجميع بعض مقاطع حول الفرح من الإرشاد الرسولي لقداسة البابا بعنوان "فرح الإنجيل". وإنَّني أنصح الجميع بقراءَة هذه الوثيقة والتأمُّل فيها.
وهذه بعض مقاطع منها:
"
الجماعة المبشِّرة بالإنجيل تعرف دائمًا أن تعيِّد فَرِحَة. إنَّها تحتفل بكلّ انتصار صغير. وتعيِّد له بكل خطوة إلى الأمام على طريق البشارة بالإنجيل. البشارة بالإنجيل الفرحة تتألَّق بالليترجيا. تبشِّر الكنيسة الإنجيل. وتبشِّر ذاتها بجمال الليترجيا التي هي أيضًا احتفالٌ بنشاط التبشير بالإنجيل وينبوع اندفاع متجدِّد للعطاء" (رقم 24)
يشدِّد البابا على أهميَّة الفرح في كلّ مرافق الحياة. "التبشير بالإنجيل بشكلٍ واعظٍ فرحٍ!" (110) على الكنيسة أن "تبشِّر بالخلاص بفرح" (113)
"
وهكذا نحتبر الفرح الإرسالي. فرح تقاسم الحياة مع شعب الله الأمين. محاولين إشعال النار في قلب العالم" (271). ويتكلَّم قداسته عن ينبوع الفرح والسعادة: "وحده الذي يشعر بأنَّه قادر على السعي لخير القريب ويتمنَّى سعادة الآخرين يستطيع أن يكون مرسلاً. انفتاح القلب هذا هو مصدر سعادة. ’لأنَّ العطاء أكثر غبطة من الأخذ‘(أعمال 35:20). لا أحد يسعد في حياته بالتهرّب بالتقوقع والرفاهية. فهذا ليس إلاّ انتحارًا بطيئًا" (272).
وفي الموضوع نفسه يقول قداسته، متذكّرًا كلمات البابا بولس السادس في الإرشاد الرسولي بعنوان "التبشير بالإنجيل": "بالتالي على المبشِّر ألا يتلبس على الدوام رأسًا كئيبًا. لنَعُدْ ونكتشفْ ونضاعفْ النخوة، وفرح التبشير بالإنجيل العذب والمشجِّع، حتى عندما علينا أن نَبذُر في الدموع. ليتمكّنَ عالمُ اليوم الذي يبحث، حينًا في القلق، وحينًا في الرجاء، من أن يقبل البشرى الحسنة، لا عن يد مبشِّرين حزانى يائسين، نافذي الصبر، قلقين، بل عن يد خدامٍ للإنجيل، تشعُّ حياتهم حماسًا، ونالوا أولاً فرح المسيح" (بولس السادس. الإرشاد الرسولي. التبشير بالإنجيل" (رقم 8). (رقم 10 من فرح الإنجيل)
ويقول في موضع آخر: "يسوع يسمح لنا أن نرفع رأسنا ونعاود الكرة بحنانٍ لا يخيِّبنا أبدًا ويستطيع دائمًا أن يعيد إلينا الفرح. لا نهربنَّ من قيامة المسيح، لا نعتبرنَّ أبدًا أنفسنا مغلوبين مهما حدث" (رقم 3).
وما أجمل ما ورد في كلمته بعد صلاة التبشير الملائكي يوم 7 تموز 2013 في ساحة القدّيس بطرس لأجل السلام في سورية: "أيُّها الأحبَّاء! لا تخافوا أن تكونوا فرحين! لا تخافوا من الفرح. هذا الفرح الذي يعطينا إياه الربّ يسوع، عندما نتركه يدخل حياتنا، ويدعونا لنخرج إلى أطراف حياتنا، لكي نحمل فرح الإنجيل للآخرين".
وهكذا على من لديه أسباب للفرح أن يشرك الآخرين بفرحه! وليحاول أن يبعث الفرح والأمل والرجاء والتفاؤل والابتسامة لدى الآخرين. وهكذا نضاعف فرحنا بفرح الآخرين.
هذه هي قوَّة الإنسان أمام الضيق والألم والحزن والمرض والشدَّة على أنواعها.
هذه هي قوَّتنا أمام الأزمات الخانقة التي تنغِّص عيشَنا وتُرهق نفوسَنا وتدفعنا إلى اليأس والإحباط... وإلى الهجرة الدامية النازفة التي تُفقِدُ مجتمعَنا خيرة قواه، ولاسيَّما شبابه ومثقّفيه ومفكّريه وصانعي تاريخه ومستقبله!
اليوم وأكثر من أي يوم مضى نحتاج إلى الفرح، لأنَّ أسباب الحزن والألم والإحباط كثيرة... فعلينا أن نفتِّش، لا بل نستنبطَ أسبابًا لأفراحٍ ممكنة، ونتوقَّع ونترجَّى أفراحًا مشتهاة ومتوقَّعة! فهناك أمور صغيرة يمكن أن تُفجِّر عواطف ومشاعر جيَّاشة من الفرح والسعادة... علينا أن نكتشفها، لا بل أن نصنعها!
الفرح يولَدُ مِرارًا من لحظة، ومن اللحظة الراهنة. ولا يأتي من الخارج. إنَّه فرح في الداخل ومن الداخل، ويمكن القول: إنَّه فرحٌ شخصي ومحلِّي ومباشر... إنَّه فرحٌ صرفٌ نقيٌّ، عفويٌّ، عميقٌ، شخصيٌّ، نابعٌ من عمق أعماق الإنسان، ويفوق كلَّ فرحٍ آخر!
وأحبُّ أن أقول للأحبَّاء الذين يقرأون هذه الرسالة: إنَّ أجمل لحظات وخبرات فرحي في حياتي كلِّها، كانت لحظاتِ هذا الفرحِ النابعِ من الداخل، المتفجِّرِ من الداخل والنافذ إلى الداخل... ولم يشاركْني به أحد... وكان مرارًا في ساعات أو لحظات خَلوة داخليَّة سريعة، أو في لحظات فرديَّة شخصيَّة... ومرارًا في ظروف صعبة جدًا... إنفرجْت بطريقة سحريَّة، في نشوةِ شهقةِ فرحٍ ودمعةِ رجاءٍ وإيمانٍ ومحبَّة! لا أزال أشعر مِرارًا بسعادة تلك اللحظات!...
الأفراح الكبيرة تتفجَّر في قلبنا مرارًا من الأفراح الصغيرة! هكذا فإنَّنا مثلاً نريد أن نفرِّح أولادنا الصغار بكمٍّ كبير من الهدايا والألعاب...ولكنَّنا لا نعطيهم حبَّنا... ولا نعرف أن نعيش معهم لحظات من الفرح، من فرحهم الذي يصبح فرحنا!
قرأت مؤخَّرًا كتاب راهب بندكتي ألماني اسمه أنسلم غرين. أحبّ أن أنقل بعض خواطره إلى قُرَّاء هذه الرسالة الميلاديَّة.
إفرحْ بحياتكَ
لا تحتاج إلى أسباب غير اعتياديَّة لكي تفرح. إفرح بذاتك مع ذاتك. إفرح مع ذكريات حياتك. تصالح مع ذاتك. خذ قرارًا بأن تكون فرحًا وسعيدًا. هكا يقول شكسبير: خذ قرارًا كل يوم: إنَّني سعيد! وإذ ذاك فأنتَ أقوى من أقوى قوَّة في العالم.
إفرح بأن تكون أنتَ من أنتَ! لا تقارن ذاتكَ بالآخرين! ولا تتقلَّدهم، ولا تتفاخر بما لديك. ولا تحزن بسبب عدم حيازتكَ لهذه أو تلك من الأمور التي تراها في الآخرين.
إقنع بما أنتَ فيه! ويكفيك فخرًا أو فرحًا أنَّكَ خليقة الله! إنَّ الله يحبّك! ردِّد مرارًا: "الله يُحبُّني"!
إفرح بالطبيعة
الله خلق الإنسان وخلقّ له الفردوس! وكلّ جمالاته ووضعه فيه! هذا ليس شعرًا ولا أسطورة ولا خيالاً! بل حقيقة واقعيَّة. بالأسف قلَّما ننظر حقًا إلى الطبيعة. وهذا ما قاله يسوع: "لهم عيون ولا ينظرون! طوبى لعيونكم لأنَّها تنظر! وطوبى لآذانكم لأنَّها تسمع" (متى 16:13)
المزمور 103 (104) هو نشيد الله للخالق نتلوه كلّ يوم في صلاة الغروب. ومن خلاله نتخطَّر في جنان فردوس هذا الكون الذي خلقه الله


الجزء الثاني من الرسالة حول الأزمة السُّوريَّة 2014

حول الأزمة السُّوريَّة

نستذكر هنا مقاطع من تعاليم المجمع الفاتيكاني الثاني في الوثيقة: "الكنيسة في عالم اليوم: فرحٌ ورجاء" إنَّها تُضيءُ دربنا في الأزمة السُّوريَّة.

الحربُ عدوُّ القيامة

الحربُ تُدمِّر آمال القيامة: "إنَّ خطر الحرب يهدِّد الناس بقدر انغماسهم في الخطيئة. وستكون هذه هي الحال حتَّى عودة المسيح. لكنَّ الناس يقمعون العنف بقدر ما يتَّحدون بالحبّ، وينتصرون على الخطيئة، حتى يتمَّ هذا الكلام: "يضربون من سيوفهم سككًا وأسنَّتهم مناجل. فلا ترفعُ أمَّةٌ على أمَّة سيفًا، ولا يتعلَّمون الحرب من بعد" (أشعيا2،4)" (6،78).

"إنَّ الحرب لم تغبْ عن الأفق البشري. وبما أنَّ وحشيَّة الحرب تنشب ويا للأسف، لا يصبح بذات الفعل كلُّ شيءٍ مباحًا بين الأطراف المتنازعة" (4،79).

"إنَّ استخدام كلِّ الوسائل المكدَّسة الآن في عنابر الدُّول الكبرى، لا ينتج عنه الحقُّ إلَّا أن يُبيدَ كلُّ خصمٍ خصمَه إبادةً قد تكون كلِّيَّةً ومتبادلة" (2،80).

"ويقوم الخطر المميَّز في الحرب الحديثة في توفير الفرصة لمن يقتنون أحدث الأسلحة العلميَّة، ليرتكبوا أعمالاً إجراميَّة كهذه. وفي دفع الإرادة البشريَّة إلى قراراتٍ هائلة بسياقٍ يقربُ من الحتميَّة." (5،80).

الثِّقةُ بين الشعوب

"بعد أن نكون قد أصبحنا أكثر وعيًا لمسؤوليَّاتنا الشخصيَّة "نجد الأساليب التي تسمح لنا بتصفية خلافاتنا بطريقةٍ أكثر إنسانيَّة" (4،81).

"فعلى الجميع إذًا أن يعملوا للحدِّ من السِّباق إلى التسلُّح، لأنَّ السَّلام يجب أن يَنبعَ من الثِّقة المتبادلة بين الشعوب. بدل أن يُفرَض على الدُّول من جرَّاء التهويل بالأسلحة" (1،82).

دورُ المؤمنين

دور المؤمنين أن يُدركوا إدراكًا واضحًا كمال دعوتهم "فيجعلوا العالم أكثر مطابقةً لكرامة الإنسان السَّامية، ويَنشدوا أُخوَّةً شاملة، ترتكز على أساساتٍ أعمق، ويُلبُّوا نداءاتِ عصرنا الأشدّ إلحاحًا، مدفوعين بالحبِّ والسَّخاء والجهود المشتركة" (1،91).

رؤيةٌ إيمانيَّة

إنَّ هذه القيَم الإنجيليَّة التي عبَّرت عنها تعاليم الكنيسة الواردة أعلاه، هي التي أوحتْ مواقفَنا وتصرُّفَنا وتصاريحَنا ومداخلاتِنا ومقابلاتِنا الصُّحفيَّة على أنواعها، ومقالاتِنا ورسائِلَنا البطريركيَّة الرَّعويَّة (منذ عام 2011)، ومشاركتَنا في المؤتمرات العالميَّة، والزياراتِ التي قمنا بها إلى عواصم العالم، واللِّقاءَاتِ مع شخصيَّاتٍ دينيَّةٍ وحزبيَّةٍ وسياسيَّةٍ من كلِّ الألوان.

وأريد من خلالها أن أصوغ قناعاتي الإيمانيَّة المقدَّسة، ورؤيتي المسيحيَّة الوطنيَّة، كراعٍ يتابع بعين الإيمان والرَّجاء والمحبَّة والتضامن والمسؤوليَّة والمصالحة، هذه المأساة السُّوريَّة التي لم يشهد لها تاريخ سورية، وحتَّى منطقة الشرق الأوسط مثيلاً.

انطلاقًا من هذه القناعات الرُّوحيَّة علينا إقصاء كلِّ عواطف الكراهية والبغض والعنف والانتقام والإبادة والقتل. ولنعلن معًا جميع السُّوريين، لنعلن إيماننا بالقيامة، بالحياة. نؤمن! أومن! بالحياة! بالمحبَّة! بالتسامح، بالرَّحمة، بالمودَّة، بالمصالحة، بالمسالمة، بالغفران، بالأخوَّة، بالإنسانيَّة، بالتراحم، بالتضامن. ولا أومن بالعنف والقتل والإرهاب والانتقام...

        خطرُ إفرازاتِ الأزمة السُّوريَّة

        هناك آلامٌ كثيرةٌ يعاني منها الشعب السُّوريُّ بكلِّ طوائفه وأطيافه. وكلَّ يومٍ نطالع إحصائيَّاتٍ مرعبة حول معاناة المواطن السُّوري...

        ونحبُّ أن نشير إلى أخطارٍ أخرى تتفشَّى في المجتمع في ظلِّ الأزمة السُّوريَّة، وهي نتيجةٌ للأفكار التكفيريَّة. فهناك نماءٌ في مشاعرِ وأفكارِ الحقد والبغض والكراهية والثأر وقساوة القلب والعنف والظلم والقهر والابتزاز ورفضِ الآخر، ومبدأ العينِ بالعين والسِّنِّ بالسِّنّ، والقوقعة والانعزال وٱحتقار الآخر ومشاعره ومعتقداته... والرِّيبة وعدم الثِّقة والتخوين... وتنامي الأصوليَّة... وهذه أشدُّ خطرًا من الجراح التي تُدمي الجسم السُّوريّ بكلِّ أعضائه.

        كلُّنا نعرف أنَّ هذه الأمور أكثر خطرًا على مجتمعنا السُّوري، من الحرب والاقتتال الذي تشهده سورية على مدى أعوامٍ ثلاثة. ولا بدَّ من تحصين مجتمعنا ضدَّ هذه الأخطار والأوبئة والتوجُّهات والتَّيَّارات الهدَّامة.

        ولهذا فإنَّني أرى من الضروريّ أن نساعد كرعاةٍ للكنيسة في محاربة هذه التَّيَّارات والمشاعر الهدَّامة. وذلك بإبراز قِيَم الإنجيل المقدَّس وتعاليم الكنيسة، لاسيَّما في المجمع الفاتيكاني الثاني بالنِّسبة لهذه المشاعر والأفكار. ولهذا أقترحُ أن يتأسَّس منتدى سوري فكري حضاري، يستقطب مفكِّرين من المسيحيين المؤمنين الملتزمين بقضايا المجتمع السُّوريّ. ويعمل القائمون عليه على صياغة مبادئ وخطط وطنيَّة وإيمانيَّة تستند على قِيَم الإنجيل المقدَّس، وتكون دستورًا لسلوك المسيحي ومنهاجًا عمليًّا في التزام المسيحي قضايا مجتمعه السُّوري، ولمحاربة هذه الأفكار الهدَّامة التي أشرنا إليها أعلاه، وقد ساعدتْ في إفرازها الأزمة السُّوريَّة، والفِرَق التكفيريَّة الواردة من خارج سورية، والتي تعمل على تفكيك المجتمع السُّوري.

        إنَّنا نعتبر أنَّ قيام منتدى بهذه الأفكار والأهداف سيكون له تأثيرٌ فكريٌّ كبيرٌ في مجتمعنا السُّوريّ، ويرسم خطوط تفاعل المسيحي في مجتمعه السُّوري، والتزامه بقضايا مجتمعه وتفاعله مع إخوته المسلمين في محاربة هذه التَّيَّارات الهدَّامة للعيش المشترك، والحوار الحياتي والتفاعل والتضامن المسيحي – الإسلامي لأجل مجتمعٍ أفضل، مبنيٍّ على قِيَم الإيمان المسيحي والإسلامي وقِيَم الإنجيل المقدَّسة.

        هذا المنتدى سيكون له بإذن الله تأثيرٌ كبيرٌ لأجل تكوين رؤيةٍ مسيحيَّةٍ في الأزمة السُّوريَّة، تؤمِّن مستقبل المسيحي في سورية والبلدان العربيَّة، وحضوره ودوره ورسالته في المجتمع العربي. ونقترح أن تناقَش فكرة هذا المنتدى السُّوري، في رعايانا بين الكهنة ونخبةٍ من المفكِّرين والمهتمِّين بالشأن المجتمعي.

ونُحبُّ أن نُشير إلى أنَّ هذا المدَّ التكفيريَّ الإسلاميَّ وإفرازاته، أنَّهُ يشوِّهُ صورة الإسلام، لا بل يحمل في طيَّاته مؤامرةً واضحةً على الإسلام والمسلمين، وعلى العالم العربيِّ بأسره، بمسيحيِّيه ومسلميه. وقد هبَّت وزارة الأوقاف تدافع عن الإسلام الحنيف، فأصدرت سلسلةً من الدِّراسات بعنوان: "فقهُ الأزمة، الإسلام بين المفاهيم والمصطلحات". وقد صدر منه جزءان. وفيهما تفنيدٌ لكلِّ التيارات والأفكار التكفيريَّة المتطرِّفة.

        إنَّنا نُثني على نشر هذه السِّلسلة الرَّائدة. وهي تمثِّل الطَّريقة الفضلى للدِّفاع عن الإسلام، ولمحاربة التَّيَّارات التكفيريَّة.

المحبَّةُ لا تسقطُ أبدًا

المحبَّةُ تسترُ جمًّا من الخطايا. والمحبَّةُ لا تسقطُ أبدًا. والمحبَّة ستبني سورية المتجدِّدة. هكذا علَّمنا السَّيِّد المسيح في إنجيله المقدَّس. وأنا أعتبر أنَّ أجمل مساهمةٍ يقوم بها المسيحيُّون في خضمِّ هذه المأساة السُّوريَّة وهي في عامها الرَّابع، أجل أجملُ مساهمةٍ هي أن ينشر المسيحيُّون في أيِّ مكانٍ كانوا، في أيِّ موقع، في أيِّ حزب، في أيَّة وظيفة... أن ينشروا هذه المحبَّة الصَّادقة الشاملة. هذا هو أجمل ما نقدِّمه نحن المسيحيين لوطننا الحبيب سورية، ولإخوتنا المواطنين السُّوريِّين كلِّهم بدون استثناء، في أيِّ معسكرٍ وخندقٍ كانوا...

لكَ أنتَ أيضًا قيامة! ولكلِّ إنسانٍ حقٌّ في الحياة والقيامة! ولتكن سورية التي لا تزال تعيش درب الصَّليب في العام الرَّابع، سورية وطن القيامة والحياة والمحبَّة.

لا نريد مزيدًا من الشهداء! لا نريد مزيدًا من الأيتام! لا نريد مزيدًا من الثكالى والخائفين! لا نريد مزيدًا من ملايين الأطفال المعنَّفين! لا نريد مزيدًا من الجرحى! ولا نريد مزيدًا من المعوَّقين والمشوَّهين! ولا نريد مزيدًا من الحاقدين والمبغضين! لا نريد مزيدًا من الخطف والابتزاز...

نريدُ شهودًا أحياءَ لسورية التاريخ والحضارة والمحبَّة والأُلفة والازدهار والتطوُّر والعلم والصِّناعة. "الذين يضربون سيوفهم سككًا وأسنَّتهم مناجل. فلا ترفع أمَّةٌ على أمَّةٍ سيفًا. ولا يتعلَّمون الحرب من بعد" (أشعيا 4:2)".

إنزعوا السِّلاح! أَلقوا جميعكم سلاحَكُم. ولنسبكها مناجلَ وأدواتِ حياةٍ وبناءٍ وإعمار. سئمتُ من الكلام عن سورية الحزينة والمتألِّمة والمشرَّدة والجريحة... وعن الضحايا والموت والشهداء والنازحين والمشرَّدين والجائعين. أريدُ أن أتكلَّم عن السُّوريين الآمنين والفرحين والمسرورين، وعن النُّزهات والرَّحلات والأفراح والأعراس... أريدُ أن أعيش عرسَ سورية الفرحة، القائمة الحيَّة.

أريد أن يفرح السُّوريُّون من جديدٍ بعيد الفصح، بالقيامة كما فرِح بها بطرس، والرُّسل، وتلميذا عمَّاوس، ومريم المجدليَّة، والنِّسوة حاملات الطِّيب.

كما أريد أن تعيش دمشق وسورية فرحةَ بولس بلقاء المسيح القائم من بين الأموات على أبواب دمشق.

كنيسةُ دمشق المتألِّمة والمصلِّيَّة

وتفتخر أبرشيَّة دمشق البطريركيَّة أنَّها تتميَّز بصلوات أيَّام الصَّوم المقدَّسة. ويمكننا أن نؤكِّد بفخارٍ ونشكر الله أنَّ كنائسنا تقريبًا كلَّها، تقريبًا كلَّ يوم، تقريبًا ملأى.

وهكذا كنيسة دمشق المتألِّمة، لا بل كنيسة سورية المتألِّمة، تتحوَّل إلى آلاف الأيادي الضَّارعة لأجل ضحايا الحرب والعنف والإرهاب. ولأجل السَّلام والأمان والمصالحة والمحبَّة والاستقرار وإنهاء معاناة الملايين من النازحين والمتألِّمين والمخطوفين والمعوَّقين والمحزونين والجرحى...

وهكذا تتابع كنيسة دمشق وكنيسة سورية درب الصَّليب، ولا تترك شعلة الأمل تنطفئ في قلوب ونفوس مؤمنيها، كما أوصانا قداسة البابا فرنسيس، ودعانا إلى أن نحافظ على "شجاعة الصَّلاة".

كنيسة دمشق وسورية تسير بشجاعةٍ وإيمانٍ ورجاءٍ ومحبَّةٍ على درب الصَّليب. في هذا الصَّوم المبارك، آملةً أن يُشرق على جميع مواطنيها وأراضيها فجر السَّلام والقيامة!

مخاطبة السُّوريِّين

يا إخوتي، يا أحبَّائي السُّوريِّين، أُحبُّكم. الله يحبُّكم. وهو يوصيكم أن تحبُّوا بعضكم بعضًا. ويريدكم متصالحين متضامنين صفًّا واحدًا لأجل بلدنا سورية الحبيبة، لأجل وطننا الواحد الوحيد. إنَّه بيتنا الكبير المشترك عبر الأجيال. فلنتَّحِدْ معًا. ولنكنْ قلبًا واحدًا. وفكرًا واحدًا. وهدفًا واحدًا. ولنجتمع على المحبَّة والخير والوفاق والتسامح والمصالحة والسَّلام. ونحن قادرون معًا أن نحلَّ مشاكلنا، ونضمِّد جراحنا. ونتعالى على خلافاتنا. ونحقِّق آمالنا وطموحاتنا!. ونؤمِّن معًا مستقبل أجيالنا وشبابنا. معًا نحن قادرون أن نعيد بناء سورية المتجدِّدة، ونعمِّر بلدنا، ونعيد نازحينا، ونبني مدارسنا وبيوتنا ومؤسَّساتنا الحيويَّة.

أُناديكم، أنا المواطن السُّوري، والبطريرك والرَّاعي المستعدَّ أن يبذل نفسه وحياته لأجل سورية الحبيبة، أناديكم وأستحلفكم أن تسمعوا صوت تاريخنا وتراثنا وآبائنا وأجدادنا... الذين عاشوا معًا، وغرسوا معًا، وزرعوا معًا، وبنَوا معًا صروحًا من الحضارة والإبداع والازدهار والبحبوحة والأمن والأمان والاستقرار.

هناك نشيدٌ جميلٌ في عيد الفصح المجيد والقيامة المقدَّسة يناشدنا قائلاً: "اليوم يوم القيامة. فلنتفاخرْ بالموسم. وليصافحْ بعضنا بعضًا. ولنقلْ يا إخوة: لنصفحْ لمبغضينا عن كلِّ شيءٍ في القيامة. ولنهتفْ قائلين: المسيح قام".

أجل لنصفحْ ولنتصالحْ. وكَم نسعدُ عندما نسمعُ أخبارَ المصالحةِ هنا وهناك، بين المواطنين، بين الأحياء، بين القرى... هذا هو المستقبل الواعد. وهذا هو الشِّعار الذي أطلقناه في رسالة آب 2012: "المصالحة هي خشبة الخلاص الوحيدة لسورية".

ونحن سنتابع بذل الجهود لدعم المصالحات بصلواتنا، ومن خلال المؤتمرات التي نشارك فيها، والمقابلات الصحفيَّة والتواصل الاجتماعي. ونثني على جهود وزارة المصالحة في الحكومة السوريَّة.

"ما عدتُ أخاف"

يزور قداسة البابا فرنسيس الأرض المقدَّسة في الأردن وفلسطين في أيَّار المقبل.

إنَّها زيارةٌ تحيي الذِّكرى الخمسين للقاء قداسة البابا بولس السَّادس مع قداسة البطريرك أثيناغوراس عام 1964 في القدس مدينة القيامة. وكان أوَّل لقاء بين بابا روما وبطريرك القسطنطينيَّة (اسطنبول)، بعد شقاق عام 1054. وبعد ذلك اللِّقاء توالَت لقاءَات كثيرة ومتكرِّرة في اسطنبول وفي روما وفي أماكن أخرى.

نرحِّب بقداسة البابا فرنسيس، ونشكر له محبَّته لسورية وصلاته لأجلها، وذكره لها في كلِّ مناسبة، ودعوة الجميع للعمل لأجل سلامها. ونأمل أن يزور سورية للاحتفال بنصرها وسلامها.

بهذه المناسبة أُحبُّ أن أورد مقطعًا من إعلانٍ رائع للبطريرك المسكوني الرَّاحل أثيناغوراس، يا ليت هذا الإعلان يكون وحيًا روحيًّا لكلِّ السُّوريين، فيكتشفون القوَّة الحقيقيَّة المؤسَّسة على المحبَّة. لأنَّ مَن يُحبّ لا يخاف:

"علينا أن نصل إلى مرحلة فيها نُلقي سلاحنا! أنا قد ألقيتُ سلاحي! ولذا ما عدتُ أخاف من أيِّ شيء، لأنَّ المحبَّة تنفي المخافة إلى خارج. لقد تخلَّيتُ عن إرادتي أن أقول أنَّني على حقٍّ، وأدينَ الباقين... أستقبل وأشارك! وكلَّ ما هو جيِّدٌ وحقيقيٌّ وواقعيٌّ فهو الأفضل لي. إذا تخلَّينا عن ذاتنا، إذا تجرَّدنا، إذا فتحنا ذاتنا إلى الله - الإنسان الذي يجعل كلَّ شيءٍ جديدًا، فإذ ذاك فإنَّه هو الذي يَمحي الماضي، ويُدخلنا في وقتٍ جديدٍ حيث كلُّ شيءٍ ممكن".

مؤتمر جنيف يُعقَد في سورية!

ونؤكِّد بصدقٍ وإخلاصٍ واحترامٍ لكلِّ الفئات في سورية، الدَّولة والمعارضة وأيُّ فريقٍ آخر، ونقول للدُّول العربيَّة والاتحاد الأوروبي وأميركا وروسيا والصِّين... إنَّ مؤتمر جنيف 2 أو 3 بجب أن يبدأ في سورية. نحن نصنع جنيف 2 و 3. ونحن ولا أحدَ غيرنا نحن السُّوريين يُمكنه أن يُعيد الأمن والأمان والاستقرار إلى سورية.

نداءٌ إلى العالم

من كنيسة دمشق المتألِّمة المصلِّيِّة والصَّائمة، السَّائرة على درب صليب سورية مع جميع مواطني هذا البلد الحبيب، مهدِ المسيحيَّة والدِّيانات والحضارات، أُطلِق هذا النِّداء في بداية العام الرَّابع للأزمة السُّوريَّة المأساويَّة الدَّمويَّة.

في هذا العيد الكبير، عيد القيامة، نحبُّ أن نوجِّه من جديدٍ دعوةً حارَّةً وجدانيَّة، بقوَّةٍ وإلحاحٍ وتوسُّلٍ ومودَّةٍ ومحبَّةٍ وأمل... إنَّنا من منطلق رسالتنا الرُّوحيَّة ودورنا الإيماني المسيحي كراعٍ وبطريرك، ندعو الجميع، رئيس بلدنا سورية ومعاونيه، وجميع الدُّول العربيَّة، وأميركا وروسيا، ودول الاتحاد الأوروبي، وجميع الدُّول في العالم، ونشطاءَ السَّلام وحاملي جائزة نوبل للسَّلام، وجميعَ ذوي الإرادة الصَّالحة وأنقياء القلب، وأصحابَ وسائلَ الإعلام، ورجالَ الفكر والأدب، ورجالَ الصِّناعة والتجارة، وتجّارَ الأسلحة... ندعوهم إلى عمل كلِّ ما يمكن عمله لأجل السَّلام في سورية. لقد تفاقمت المأساة وتكاد تنال بعواقبها ونتائجها وتأثيرها، تكاد تطال كلَّ مواطنٍ سوريّ!... نطلب من الله تعالى أن يسمع نداءَنا! ويوجِّه قلوبكم لكي تسمعوا نداءَه ونداءَنا!

كثُرَ الموت في سورية. ما عاد يجوز متابعة مسيرة الموت. علينا أن نجمع قوانا كلِّنا في الدَّاخل والخارج، معارضة، دولة، أحزاب، أصحاب النِّيَّات الطَّيِّبة من كلِّ حزبٍ وتوجُّه وطائفة... لكي نوقف الدَّم في سورية، ولكي نسير معًا مسيرة القيامة...كلُّنا أبناء سورية الذين أراهم الله نور هذا العالم بالولادة، مدعوُّون إلى الحياة وليس إلى الموت. أناشد كبطريرك سوري، وكمواطن سوري، أناشد كلَّ سوريٍّ أن ينضمَّ إلى مسيرة القيامة والحياة... حتَّى تكون للناس كلِّ الناس، الحياة وتكون لهم أفضل. كفانا حربًا وعنفًا وقتلاً!

علينا أن نسعى كلُّنا إلى هدنة الحياة La trêve de la Vie! وعلينا محاربة منطق الحرب والقوَّة والمقارعة... إنَّ منطق الحرب إلى النهاية ليس منطقًا إنسانيًا! إنَّ هذا المنطق هو انتحارٌ سوريٌّ جماعيّ! إنَّه منطقٌ أنانيٌّ قتَّال!

أناشد العالم بأجمعه باسم الفقراء والضُّعفاء، والشهداء والضحايا والجرحى، والمخطوفين والثكالى واليتامى، والنازحين والذين بلا مأوى، والجائعين، والأطفال والرُّضَّع والحوامل، والرِّجال والنِّساء والشباب، وطلاب المدارس والجامعات، والعجزة، والمعوَّقين والمشوَّهين، والخائفين واليائسين والمحبطين والمشكَّكين... هؤلاء ألتقي بهم تكرارًا على الحدود السُّوريَّة – اللبنانيَّة، أثناء تنقُّلي بين دمشق وبيروت، ومن خلال زياراتي لبيوت وأُسَر الشهداء والضحايا والمتضرِّرين. كلُّهم تُساورهم مشاعر من الخوف والتساؤل على مصير أُسَرِهم وأطفالهم وشبابهم...

        أمام هذه الصُّورة المأساويَّة القاتمة الدَّامية لبلدنا الحبيب سورية، أتوجَّه إلى دول العالم العربي والغربي، وأناشدهم وأقول لهم: إرحموا سورية يا دول العالم! أتركوا سورية للسُّوريين! أتركوا السُّوريين لشأنهم! كفاكم إرسال السِّلاح والمحاربين والمرتزقة والمجرمين والمسلَّحين والإرهابيين والجهاديين والتكفيريين...

        ونقول لهم بصراحةٍ وعزم: الحرب لم تنجح! العنف لم ينجح! السِّلاح لم ينجح! تزويد المسلَّحين بالسِّلاح على أنواعه لم ينجح! نظريَّاتكم ونبؤاتكم بسقوط سورية رئيسًا وحكومة، منذ بداية الأزمة وفي أشهرها الأولى عام 2011، لم تنجح! والدِّعايات الإعلاميَّة المزوَّرة لم تنجح! والمشاريع التآمريَّة عربيًّا وغربيًّا لم تنجح! والعقوبات الاقتصاديَّة لم تنجح! والتهديدات بالحديد والنار لم تنجح! والتحالفات لم تنجح!

        أمام كلِّ هذه الإخفاقات أمَا حان الوقت لأن يقتنع العالم أنَّ الحرب لا أحد رابحٌ فيها! وأنَّ الحلَّ السِّلميّ هو سيِّد الأحكام! وأنَّ السُّوريين هم وحدهم الذين يُقرِّرون مصيرهم، ومَن يكون رئيسهم، ومَن تكون حكومتهم، وما هو دستورهم؟

        أم أنَّ العالم مصمِّم على متابعة حرب إبادةٍ ضدَّ الشعب السُّوري، وتدمير مؤسَّساته، وإزهاق أرواح مواطنيه، وتدمير كنائسه وجوامعه وتراثه الحضاري، وإفقار شعبه وتجويعهم وتشريدهم، وإزهاق أرواح مواطنيه، وكسر معنوياتهم وصمودهم؟ وذلك لأجل تحقيق مصالحه وتنفيذ مخطَّطاته؟

        والضَّحيَّة مَن هي؟ الضَّحيَّة هم الشعب المتألِّم المجروح، الذي وصفتُه في مطلع هذا النِّداء.

        فباِسم كلِّ سورية أُناشِد العالم: بأن تكفُّوا يدَكم عن سورية! ولتقفْ آلة الحرب! ولنعملْ معًا: سورية وكلُّ الدُّول المحبَّة للسَّلام!

        لنعمل على إحلال السَّلام في سورية! فإنَّ سلام سورية هو سلام المنطقة بأسرها! سورية تستحقُّ ٱهتمامَ العالم بأسره، ومحبَّةَ العالم وثقةَ العالم!

        لا نريد أن تكون سورية أرض الحرب والقتل والعنف والإرهاب، بل أن تكون كما نقرأ في اليافطات المنتشرة في شوارع دمشق: سورية! أرضُكِ المقدَّسة! أرضُ المحبَّة والسَّلام!.

لكِ يا سورية قيامة

سورية هي أرض القيامة! وعلى أبواب دمشق رأى بولس الرسول المسيح القائم من بين الأموات. أتاها مضطهدًا فغادرها رسولاً ومبشِّرًا بالقيامة! ولهذا فهي حقًا أرض القيامة. وكما قلنا فإنَّ لقب أبنائها كان: أبناء القيامة.

واليوم نريد أن نخاطب مواطنينا أبناء وبنات سورية الأحبَّاء بهذا اللقب التاريخي المجيد ونقول لهم: يا أبناء وبنات سورية! أنتم أبناء القيامة! أبناء الحياة! ولستم أبناء الموت وآلات الموت! لستم أبناء العنف والإرهاب والتعذيب والتشريد والقتل. كونوا دائمًا أبناء القيامة وأبناء الحياة!

وليغادر أرضَ سورية الطاهرة كلُّ من يدمِّر محبَّتنا وعيشنا المشترك، ويقتل ويسفك الدماء على أرضنا، ويزرع أفكار التكفير والبغض والكراهية وإقصاء الآخر والفتنة والطائفيَّة والتفرقة! وهي كلّها أفكار موت وتقود إلى الموت.

ونقول لسورية ما قاله يسوع يوم شفى في مجمع الناصرة تلك المرأة المنحنية المحدودبة: "كوني معافاة! وانتصبت المرأة تمجِّد الله" (لوقا 13:10).

ونقول: لكِ يا سورية قيامة! لكَ يا أخي المسيحي قيامة! لكَ يا أخي المسلم السنّي قيامة! ولكَ يا أخي الشيعي قيامة! ولكَ يا أخي العلوي قيامة! ولكَ يا أخي الدرزي قيامة! لكَ يا أخي في الخندق قيامة! ولكَ يا أخي المحارب على أرض سورية والقادم من أي بلدٍ كان... لكَ قيامة!

تهاني العيد

أُقدِّم التهاني بعيد القيامة المجيدة والفصح السَّيِّديّ، ونحن نعيِّد معًا من كلِّ الطوئف، أُقدِّم التهاني لإخوتي السَّادة الأساقفة أعضاء مجمعنا المقدَّس، ولإخوتي وأبنائي الشمامسة والكهنة والرُّهبان والرَّاهبات وجميع مؤمني رعايانا في كلِّ مكان، في البلاد العربيَّة وبلاد الانتشار والاغتراب وبلدان النزوح السُّوري الجديد. لا بل أقدِّم التهاني لجميع المسيحيين المعيِّدين معًا هذا العام. لا بل نعايد جميع المواطنين وإخوتنا المسلمين الذين يعترفون بقيامة السَّيِّد المسيح، حيث وردت الآية: والسَّلام عليَّ يوم ولدتُ ويوم أموتُ ويوم أبعثُ حيًّا".

ونُنهي هذه الرِّسالة بنشيد هو من أجمل أناشيد القيامة المجيدة، نخاطب به المسيح القائم مفتخرين بقيامته: "يا ما ألذَّ! يا ما أحبَّ! يا ما أعذبَ صوتك الإلهي أيُّها المسيح لأنَّك وعدتنا وعدًا صادقًا بأن تكون معنا إلى أبد الدَّهر. فبذا الوعد نعتصم نحن المؤمنين كمرسى رجاءٍ ونبتهج مسرورين".

 

   مع محبّتي وبرَكَتي             

      + غريغوريوس الثَّالث

               

 بطريرك أنطاكية وسائر المشرق والاسكندريَّة وأورشليم

     للرُّوم الملَكيِّين الكاثوليك




رسالة غبطة البطريرك غريغوريوس الثالث لعيد الفصح 2014

رسالةُ صاحبِ الغبطة
البطريرك غريغوريوس الثَّالث
بطريرك أنطاكية وسائر المشرق والاسكندريَّة وأورشليم
للرُّوم المَلَكيِّين الكاثوليك
في عيد الفصح والقيامة المجيدة
20 نيسان 2014
 
من غريغوريوسَ عبدِ يسوعَ المسيح
برحمةِ الله تعالى
بطريرك أنطاكية وسائر المشرق
والاسكندريّة وأورشليم
 

إلى الإخوة السَّادة المطارنة، أعضاء المجمع المقدَّس الموقَّرين

وسائر أبنائنا وبناتنا بالمسيحِ يسوع، إكليروسًا وشعبًا،

المدعوِّين قدِّيسين، مع جميع الذين يَدعُون باسم ربِّنا يسوع المسيح، ربِّهم وربِّنا

نعمةٌ لكم وسلامٌ من الله أبينا، والرَّبِّ يسوع المسيح (اكور: 1-3).

 
لكَ أنتَ أيضًا قيامة
 

نُعيِّد عيد القيامة المجيدة للسَّنة الرَّابعة على التوالي، بينما أحداث ومآسي ما يسمَّى الرَّبيع العربي وإفرازاته تحصد الآلاف من المواطنين في أكثرِ من بلدٍ عربيّ، إنطلاقًا من ليبيا إلى مصر إلى فلسطين، إلى العراق، إلى لبنان، ولاسيَّما سورية...

في هذه البلاد بالذَّات دُعيَ المسيحيُّون أبناء القيامة. وهم مدعوُّون إلى مشاركة المسيح في قيامته.

رسالتي الفصحيَّة لهذا العام تنقسم إلى جزئَين أساسيَّين: جزءٌ عامٌّ فيه تأمُّلٌ روحيّ حول قيامة السَّيِّد المسيح، يشترك فيها كلُّ مؤمنٍ بالمسيح. لا بل إنَّ البعث والقيامة والنشر هي ما ينتظر كلَّ إنسانٍ مؤمنٍ بالله وبالآخرة. وهذا موضوعٌ نشتركُ فيه جميعًا، من يهودٍ ومسيحيين ومسلمين.

ولهذا فإنَّني أتوجَّه بهذه الأمنية المعبَّر عنها في عنوان هذه الرِّسالة، إلى جميع إخوتي المسيحيِّين وإلى جميع المواطنين في بلادنا المشرقيَّة، وأخاطبُ كلَّ إنسانٍ بأملٍ ورجاءٍ ومحبَّة: لكَ أنتَ أيضًا قيامة!

الجزء الثاني سيتناول الوضع المأساوي في بلدنا الحبيب سورية. إنَّها تسير على درب الصَّليب، ولكنَّها ستصلُ يومًا نرجوه قريبًا إلى أفراح القيامة!

قيامةُ المسيح وقيامةُ الإنسان

قُمْ أيُّها الإنسان من بين الأموات، فيُضيءَ لكَ المسيح الحيُّ القائم من بين الأموات...

أيقونةُ القيامة دعوةٌ إلى القيامة: إذ نرى فيها المسيح القائم يمسك بيد الإنسان، آدم وحواء، ويشدُّ بهما ليُنهضُهُما من القبر...

والرَّمزُ واضح: أنتَ كإنسان، مدعوٌّ أيضًا إلى القيامة... وكلُّ آحاد السَّنة عيد قيامةٍ في تقليدنا الشرقي... ذلك أنَّ القيامة هي في صُلبِ الحياة المسيحيَّة، وصلب كلِّ حياة... فأنت كلَّ يومٍ معرَّضٌ للموت: موت الجسد وموت النَّفس، بالمرض ومشتقَّاته، والخطيئة وأنواعها...

وأنتَ مدعوٌّ كلَّ يوم إلى مقاومة الموت وجراثيمه في جسدك وفي نفسك...

فأنت إذاً في مسيرةِ قيامةٍ دائمةٍ متجدِّدة... القيامة حياةٌ جديدة... تصاعدٌ، ارتفاعٌ، آفاقٌ جديدة، أملٌ، رجاءٌ، محبَّةٌ، تطلُّعات، تشوُّقات، رؤىَ خيرٍ وصلاحٍ وقداسة...

إلى هذه القيامة أنتَ مدعو...

وعلى هذا المنوال تشترك بقيامة المسيح... ويكون لكَ أنتَ أيضًا قيامة...

القيامةُ أساسُ إيماننا

يقول بولس الرَّسول: "لو لم يقمِ المسيح لكان إيمانكم باطلاً وأنتم بعدُ في خطاياكم" (1 كور 17:15). الإيمان المسيحي كلَّه باطلٌ بدون قيامة السَّيِّد المسيح. ولذا فقيامة المسيح فقرةٌ أساسيَّةٌ في قانون الإيمان: "أومن بيسوع المسيح الذي تألَّم وقُبِر وقام في اليوم الثالث كما في الكتب". وتليها فقرةٌ أخرى في قانون الإيمان: "ونترجَّى قيامة الموتى". إذن الإيمان بقيامة المسيح وقيامتنا معه ركنٌ من أركان الإيمان المسيحيّ الأساسيَّة.

وقيامة المسيح تعني أنَّ حياة الإنسان هي أيضًا لا تنتهي بالفشل والخطيئة واليأس والمرض والألم والكارثة والدَّمار والفناء والموت والقبر... بل بعد الحياة والموت حياة...وقيامةٌ ونشورٌ وانبعاثٌ للإنسان نفسًا وجسدًا. وهكذا فإن صحَّ القول: إنَّنا نولد لنموت، فالقول الآخر أصحّ: إنَّنا نموت لنحيا حياةً أبديَّةً خالدة. وعلى هذا الإيمان وبهذه العقيدة تنتهي الفقرة الأخيرة في قانون الإيمان: "نترجَّى قيامة الموتى والحياة في الدَّهر الآتي. آمين!". وهكذا تصبح النهاية البداية الحقيقيَّة، حتى يصحَّ القولُ المأثور: نولد لنموت! ونموت لنحيا!!!

كنيسةُ القبرِ المقدَّس هي كنيسةُ القيامة!

تدعى هذه الكنيسة باسم: "كنيسة القبر المقدَّس"، في الكنيسة الغربيَّة وفي اللُّغات الأجنبيَّة. ويُشدِّد الغربيُّون من خلال هذه التسمية على الصَّليب والموت والدَّفن. وقد تطوَّرت عبادة دربِ الصَّليب في الغرب المسيحي، وتنتهي مراحل درب الصَّليب بالصَّلب. وزيدت لاحقًا مرحلة القيامة.

وأمَّا في الشرق المسيحي، وفي اللُّغات العربيَّة واليونانيَّة والسُّريانيُّة والقبطيَّة والأرمنيَّة، فنجد تسمية "كنيسة القيامة". ويشدِّد الشرقيُّون على القبر الفارغ والقيامة المجيدة من خلال هذه التسمية. وهكذا تبقى الحلقة متَّصلة بين مسلسل آلام المسيح وصلبه ودفنه، وبين النهاية البهيجة التي تجدُ قمَّتها في القيامة من بين الأموات. فلا معنى للآلام والصَّلب والعذاب والموت بدون أمل القيامة. ولا سبيل إلى القيامة إلَّا من خلال المرور بمراحل درب الصَّليب...

وهكذا تجمع كنيسة القبر المقدَّس وكنيسة القيامة من خلال هذه التسمية المزدوجة، تجمع بين المعاني السَّامية والأساسيَّة في حياة كلِّ إنسان، كما كانت الحال في حياة السَّيِّد المسيح.

أنتَ أيضًا لكَ صليب... ولكَ قيامة... الجلجلة على رميةِ حجرٍ من القبر الفارغ... هكذا أيضًا في حياتك: تجتمع الجلجلة والصَّليب والألم والمرض والمصيبة والموت... وهي مدخل السَّعادة والفرح...

إعتنقِ الصَّليب، قبِّله، إقبله... وأكرم أيقونة القيامة، وقبِّلها، واقبل سرَّ القيامة في حياتك اليوميَّة. وهكذا تجمع في حياتك بين سرَّيّ الصَّليب والقيامة، كما تجمع الكنيسة الواحدة تحت سقفٍ واحدٍ موضعَ الجلجلة والصَّلب، والقبرَ الفارغَ والقيامةَ المجيدة...

هنيئًا لك، أخي المسيحي، الصَّليب... والقيامة... هنيئًا لك القيامة تملأ حياتك فرحًا وسعادةً وأملاً وسلامًا.

مسيرة آحاد الفصح، مسيرة القيامة

إنَّها مسيرة أربعين يومًا مع المسيح الحيّ، الذي بعد قيامته المجيدة من بين الأموات، بقي يتراءَى لتلاميذه مدَّة أربعين يومًا، يكلِّمهم عن شؤون ملكوت الله.

إنَّه حقًا حيّ! يشترك في اجتماعاتهم وهم مُشكِّكون خائفون. ويثبِّت إيمان توما أكثرهم شكًّا! ويعطيهم سلامه مشدِّدًا عزائمهم.

إنَّه رفيق الطَّريق! يرافق لوقا وكلاوبَّا على الطَّريق إلى عمَّاوس. يأكل مع تلاميذه. يقاسمهم حلو العيش ومرَّه.

إنَّه المرشد إلى الحياة الجديدة: يعطي السُّلطان المقدَّس لتلاميذه، يملأهم من الرُّوح القدس لكي يكونوا له شهودًا إلى أقصى الأرض.

إنَّه مؤسِّس كنيسةٍ هي جماعةٌ حيَّةٌ تؤمن بالقيامة، بالحياة الجديدة والعالم الجديد. بطرس يقود سفينتها. إنَّها مؤسَّسةٌ على المسيح، على الإيمان والمحبَّة: يا بطرس، أتُحبُّني! وإذا كنتَ تحبّ فيمكنك أن تكون راعيًا حقيقيًّا قادرًا على العطاء والخدمة والفداء.

إنَّه حقًّا حيّ، كما وعد أحبَّاءه. وهو معهم إلى انقضاء الدَّهر!

المسيح الحيّ يُشرك المؤمنين وكلَّ البشر المقبلين إليه بحياته وقيامته.

إلى هذا تشير التذكارات الرُّوحيَّة التي تؤلِّف الدَّور الفصحيّ: أحد توما وهو الأحد الجديد، وهو تأكيدٌ لقيامة المسيح. يليه أحد حاملات الطِّيب ويوسف ونيقوديموس، الذين يكرَّمون لأمانتهم للمسيح حتَّى في الموت ورغم الموت. فهم أبناء القيامة.

أحد المخلَّع هو شرحٌ رائعٌ لأيقونة القيامة: الإنسان يشترك بقيامة المسيح الذي يُنهضه من الألم والمرض والعاهات الجسديَّة والرُّوحيَّة. أمَّا أحد السَّامريَّة فهو إشارةٌ إلى أنَّ بشرى الحياة الجديدة في المسيح ليست محصورةً بشعبٍ أو قوم.

أحد الأعمى يعلِّمنا أنَّ المسيح القائم من بين الأموات هو نورُ العالم، إنَّه طريقنا وسبيلنا ونورنا.

إنَّنا في حياتنا المسيحيَّة مدعوُّون إلى مسيرة القيامة. وكما سار المسيح مع تلاميذه ورسله ومع الجميع مدَّة حياته الأرضيَّة قبل القيامة وبعدها. هكذا يريد أن يكون رفيقَ الدَّرب والحياة الجديدة! إنَّنا أبناء القيامة! إنَّنا في مسيرة القيامة!

حبَّة الحنطة!

"إنَّ حبَّة الحنطة إنْ لم تمتْ بقِيَتْ وحدها، وإنْ ماتت أتت بثمر ٍكثير" (يوحنا 24:12).

ألا تكتشف سرَّ حياتكَ في قصَّة حبَّة الحنطة؟ وفي حياة السَّيِّد المسيح وموته وقيامته؟ وهذا ما تردِّده أناشيد عيد الفصح: "أمسِ دفنتُ معكَ أيُّها المسيح واليوم أنهضُ معكَ بقيامتكَ! أمس ِصلبتُ معكَ فأنت يا مخلِّص مجِّدني معك في ملكوتك"؟

أنت حنطةُ الله وحنطةُ إخوتك البشر! أنتَ حنطةُ عائلتِكَ ومجتمعِكَ وأرضِك! وأنتَ مدعوٌّ لتحمل الخصب والحياة من خلال الجهاد والعطاء والألم والمرض، فتكون لك قيامة، ولأرضك ولمجتمعك!

الفصحُ تحرُّر

وتُردِّد صلوات الفصح تعابيرَ القيامة والتحرُّر: "بآلامِكَ تَحرَّرنا من الآلام. لقد قمتَ أيُّها المسيح وحرَّرتنا. إقتدتَ الطبيعة البشريَّة إلى النُّور والحرِّيَّة. وفي هذه الصَّلوات صدىً لكلام المسيح القائل: "الابن يحرِّركم فتكونون حقًّا أحرارًا، وتعرفون الحقَّ والحقُّ يحرِّركم" (يوحنَّا 8: 36).

وقد أعلن المسيح له المجد في مطلع بشارته أنَّ غاية الإنجيل وهدف رسالته الإلهيَّة هو تحقيق نبوءة أشعيا النَّبيّ: "روحُ الرَّبِّ عليَّ! إنَّه أرسلني لأنادي للمأسورين بالتَّخلية، وأُطلِق المرهقين أحرارًا" (لوقا 4: 18-19، راجع أشعيا 61: 1-2).

وأكَّد المسيح على حرِّيَّة الإنسان قائلاً: "البنون أحرار" (يوحنَّا 8: 33).

الإنسان يستعبد أخاه الإنسان. أمَّا الله فيُحرِّر الإنسان. إيماننا، عقائدنا، كتبنا المقدَّسة، أعيادنا كلَّها دعوةٌ إلى الحرِّيَّة والتحرُّر. إنَّها تدعم مسيرتنا التحرُّريَّة وسعينا نحو الحرِّيَّة والكرامة. لا بل هي دعوةٌ إلى التحرُّر الإنسانيِّ الكامل، وليس فقط في ظلِّ ظروفٍ سياسيَّة معيَّنة. الدَّعوة الكبرى الدَّائمة هي الدَّعوة إلى التحرُّر الكامل، الرُّوحي، الإنساني، تحرُّر القلب والنَّفس من الخطيئة، وتحرُّر الضمير والفكر. إنَّها دعوةٌ إلى السَّير في جدَّة الحياة، في النُّور، وفي الحرِّيَّة الحقيقيَّة، وإلى استعادة جمال صورة الله في الإنسان، في العزَّة والكرامة والاحترام والعدل والمحبَّة والسَّلام.

أبناءُ القيامة

عبارةٌ وردت عند رهبان فلسطين وسواهم. أبناء القيامة فئةٌ من المسيحيين مختصَّة بالخدمات الكنسيَّة الطَّقسيَّة. أو هم فئةٌ من الرُّهبان والنُّسَّاك القائمين بهذه الخِدَم، وكانوا مرتبطين بنذر البتوليَّة. وكان شرط الانتماء إلى هذه الفئة المعموديَّة.

المعموديَّة مرتبطةٌ ارتباطًا وثيقًا بالقيامة. فكانت تُعطى في العصور الأولى فقط يوم الفصح. وهذا ما يقوله بولس الرَّسول: "يا إخوة إنَّا جميع من @336;عتمدنا للمسيح قد اعتمدنا لموته. فدُفِنَّا معه في المعموديَّة للموت. حتَّى إنَّنا كما أُقيمَ المسيحُ من بين الأموات، كذلك نسلُكُ نحن أيضًا في جدَّة الحياة..." (رومانيُّون 6: 3-4).

ويقول القدِّيس يوحنَّا الدِّمشقي في أناشيد قانون الفصح: "أمسِ دُفنتُ معكَ أيُّها المسيح، واليومَ أنهضُ معكَ بقيامتكَ".

وتخاطب الشَّهيدة تقلا المسيح قائلة: "يا يسوع عروسي أنا أصبو إليكَ وأجاهد في طلبكَ. وأُصلَبُ وأُدفَنُ معكَ في معموديَّتك. وأتألَّم من أجلِكَ لأملِكَ معكَ. وأموتُ في سبيلِكَ لأحيا فيكَ".

فالمعموديَّة عهدٌ مع المسيح القائم والحيّ. وهي دعوةٌ إلى الحياة الجديدة مع المسيح. بحيث كان المسيحيُّون الأوائل يؤخِّرون @336;قـتبال سرِّ المعموديَّة إلى اليوم الذي فيه يمكنهم أن يقوموا حقًّا بعهد المعموديَّة، أعني خاصَّةً رفض الشيطان والخطيئة، وحياة النِّعمة في المسيح. فيكونون حقًّا أبناء القيامة!

الكنيسةُ إذن جماعةٌ حيّة! جماعةُ قيامة!

أبناءُ الكنيسة المعتمِدون هم أبناءُ القيامة! أبناءُ عهدٍ جديدٍ مع المسيح الحيّ!

أبناءُ الكنيسة وأبناءُ القيامة المعتمِدون بالمسيح الحيّ يجب أن يكونوا نخبةً مقدَّسة!

فٱعرِف شرف دعوتِكَ أيُّها المسيحيّ المعتمِد، يا ابنَ القيامة، يا ابنَ القدس مدينة القيامة، وابنَ الأرضِ المقدَّسة، أرضِ القيامة.

القيامة نداءٌ إلى حياةٍ مسيحيَّةٍ حارَّة جادَّة ملتزمة! فإلى إخوتي أبناء القيامة أزفُّ بشرى القيامة! وأماني القيامة! المسيح قام! حقًّا قام!

أملُ القيامة

نأمل أن تتحقَّق القيامة لموتانا وشهدائنا. كما نأمل القيامة والحياة لنا نحن الأحياء! ونؤكِّد أنَّنا شعبٌ مؤمنٌ بالقيامة والحياة! إنَّنا نؤمن في سائر ظروف حياتنا، وفي الظُّروف المأساويَّة الرَّاهنة بأنَّ:

الموتَ سيُغلَب
والعنفَ سيُحسَر
والقوةَ ستُقَهر
والقوسَ سيُكسَر
والطوقَ سيُفَكّ
والقيودَ ستُطلَق
والقبورَ ستُفتَح
والظلمةَ ستندَثِر
والنورَ سينبَلِج
والشمسَ ستطلَع
والزهورَ ستتفتَّح
والبراعمَ ستنمو
والسنابلَ ستمتلئُ بالحبوب
والأطفالَ سيضحكون ويرقصون
والنساءَ الثكالى سيزغردن
والإنسانَ الجديدَ سيولد

وحضارةَ المحبَّة ستُبنى في أرض الأنبياء والرُّسل والأولياء! في أرضِ القدس مدينة القيامة والإسراء والمعراج! في أرضنا المقدَّسة الطَّاهرة! وفي بلادنا المشرقيَّة مهدِ المسيحيَّة والدِّيانات والحضارات!

ولنبقَ معًا كلُّنا، مسيحيين ومسلمين! ولنبقَ معًا كلُّنا كلُّ أصدقائنا!

ولنبقَ معًا كلُّنا، في مسيرة الشهداء!
في مسيرة المستقبل الأفضل!
في مسيرة الحياة والكرامة والقيامة!
 

 




رسالة الصوم الأربعيني الكبير 2014

رسالة صاحب الغبطة بمناسبة الصوم المبارك 2014
25 2 2014
رسالة صاحب الغبطة
البطريرك غريغوريوس الثَّالث
بطريرك أنطاكية وسائر المشرق والإسكندريَّة وأورشليم
للرُّوم المَلَكيِّين الكاثوليك
بمناسبة الصَّوم الأربعيني الكبير المقدَّس
2014


من غريغوريوسَ عبدِ يسوعَ المسيح
برحمةِ الله تعالى
بطريرك أنطاكية وسائر المشرق
والاسكندريَّة وأورشليم


إلى الإخوة السَّادة المطارنة، أعضاء المجمع المقدَّس الموقَّرين
وسائر أبنائنا وبناتنا بالمسيحِ يسوع، إكليروسًا وشعبًا،
المدعوِّين قدِّيسين، مع جميع الذين يَدعُون باسم ربِّنا يسوع المسيح، ربِّهم وربِّنا
نعمةٌ لكم وسلامٌ من الله أبينا، والرَّبِّ يسوع المسيح (اكور: 1-3).


نعمةُ الصِّيام!

نعمةُ الصِّيام!
"إنَّ نعمةَ الصِّيامِ الكاملِ الوقارِ هي فائقةُ المجد"

بدأتُ أفكِّر بموضوع رسالة الصَّوم لهذا العام، وفتحتُ للحال عشوائيًّا  كتاب الصَّوم (التريوذي) فوجدتُ نشيدًا مطلعهُ هذه العبارة: "نعمةُ الصِّيام!" فرأيتُ في ذلك إشارةً من الرُّوح القدس. وأصغيتُ إليه. وقرَّرتُ أن يكون موضوع تأمُّلي ورسالتي حول معاني الصِّيام المقدَّس الجميلة.

فهذه المرحلة من العام ومن حياتنا المسيحيَّة هي من أقدس مراحل السَّنة، ولها مكانةٌ مميَّزةٌ لدى جميع المسيحيين في كنيستنا، بالرَّغم من التفسيحات الكثيرة التي خفَّفت من عبء الشقِّ الجسديّ من فريضة الصَّوم المقدَّسة.

الصَّوم الرُّوحيّ والصَّوم الجسديّ متلازمان
للصَّوم شقَّان: الشقّ الجسدي والشقّ الرُّوحي. والشقَّان مرتبطان الواحد بالآخر. ولا يجوز فصل الصَّوم الجسديّ عن الصَّوم الرُّوحيّ. وكما لا يجوز تفضيل الصَّوم الجسديّ على الرُّوحيّ ولا الرُّوحيّ على الجسديّ. الكتاب المقدَّس، والتقليد الكنسي المسيحي، والمنطق الإنساني والحكمة الطبيعيَّة.... كلُّها تشير إلى أهمِّيَّة الصَّوم الجسديّ والصَّوم الرُّوحيّ. وهما فرضُ عبادةٍ وبرهانُ إيمانٍ بالله، وفعلُ محبَّةٍ لله وللقريب، ولا سيَّما الفقير والمحتاج والضعيف.

بالأسف هناك مَن يقول: أنا أعطي الفقير حسنةً، وهذا يُعفيني من الصَّوم. وأنا لا أدخِّن أيَّام الصَّوم، وهذا يُعفيني من الصَّوم. وأنا لا آكل شوكولا، وهذا يُعفيني من الصَّوم. كلُّ هذه أعمالُ فضيلةٍ جميلة، ولكنَّها لا تُغني عن الصَّوم الجسدي التقليدي. بل هي مكمِّلةٌ له ومعبِّرةٌ عنه وجزءٌ منه.

وللصَّوم شقٌّ عائليّ مسيحيّ اجتماعيّ وراعوي: الفرد يصوم والعائلة تصوم مجتمعةً (الرجل، المرأة، الأولاد...)، والحيُّ (حيث مسيحيُّون متواجدون) يصوم، والرَّعيَّة تصوم.... بحيث يدخل الصَّوم بروحانيَّته وهدفه وكلِّ مظاهره، يدخل الصَّوم إلى قلب الإنسان ونفسه وجسده وعقله ومخيِّلته ومشاعره، إلى كلِّ حواسه. فيصوم الفم، ويصوم اللِّسان، وتصوم العين، ويصوم السَّمع، ويصوم النَّظر، وتصوم الأذنان، وتصوم اليدان والرِّجلان... ويصوم الإنسان بكلِّ مكوِّناته الجسديَّة والرُّوحيَّة والنَّفسيَّة وبكلِّ قِواه...

وإلى هذا تشير صلواتنا التي تشمل نفسنا وجسدنا. منها هذه الصَّلاة الجميلة من ليترجيَّا الأقداس السَّابق تقديسها (البروجيازمينا): "أيُّها الإله العظيم الحميد. يا من بموت مسيحه المحيي نقلنا من الفناء إلى البقاء. أنت أعتِقْ جميع حواسّنا من الأهواء المميتة. مقيمًا لها العقل الباطنيَّ مرشدًا. لتبتعدْ عيوننا عن كلِّ نظرٍ شرِّير. ولا تطرقْ مسامعَنا الأقوالُ البطَّالة. ولتتنزَّهْ ألسنتُنا عن الأقوال غير اللائقة. نقِّ شفاهنا التي تسبِّحكَ يا رب. إجعل أيدينا تمتنع عن الأفعال القبيحة. ولا تفعلْ إلاّ ما يرضيك. وحصِّن بنعمتكَ كلَّ أعضائنا وأذهاننا".

صلواتنا الطَّقسيَّة الكنسيَّة تشير تكرارًا إلى ذلك. هكذا نصلِّي في الصَّلاة الشعبيَّة الجميلة: "يا مَنْ هو في كلِّ وقتٍ وكلِّ ساعة [...] قدِّس نفوسنا. نقِّ أجسادنا. قوِّم أفكارنا. طهِّر نيَّاتنا". ونصلِّي تكرارًا: "قدِّس نفوسنا وأجسادنا" ونمسح المريض بالزَّيت قائلين: "لشفاءِ النَّفس والجسد...".

وتدعونا الكنيسة في صلواتها إلى الوقوف والجلوس والرُّكوع والسُّجود وانحناء الرأس والجسد والرُّكَب والتصفيق والهتاف والبكاء وقرع الصَّدر... ونُدْهَن بالميرون المقدَّس على كلِّ حواسنا وأعضاء جسدنا: الجبهة والعينَين والمنخَرَين والفم والأذنَين والصَّدر واليدَين والرِّجلَين. وكذلك يصير عند دهن الطِّفل المعتمد بالزَّيت قبل تغطيسه في جرن المعموديَّة المقدَّسة.

وهكذا القول عن الصَّوم في شِقَّيه الرُّوحي والجسدي. ولهذا فإنَّ ممارسة فضيلة وفريضة الصِّيام الجسدي، أعني الامتناع عن المآكل  من نصف اللَّيل حتى السَّاعة 12,00 ظهرًا، والقطاعة عن أطعمة معيَّنة (ما يسمَّى بالزَّفرَين، زفر اللَّحم وزفر البياض من البيض والجبنة والحليب)، وممارسة فريضة الصَّوم الرُّوحي أي ممارسة الفضيلة والقيام بالأعمال الصَّالحة ومساعدة الفقراء والتضامن مع الآخرين... هي كلُّها مترابطة ومكمِّلة ومتمِّمة للفريضة الواحدة: الصَّوم!.

وأحبُّ أن أشرح أحد معاني "نعمة الصَّوم" من خلال مقاطع من رسالة قداسة البابا فرنسيس، بابا الفقراء عن الصَّوم للعام 2014:

الضِّيقُ الأدبيّ وحضورُ اللهِ في حياتنا

"وليس الضِّيق الأخلاقي القائم على أن يصبح المرءُ عبدًا للرَّذيلة والإثم، بأقلَّ غمَّاً عندنا. فَرُبَّ عائلةٍ تلطُم، لأنَّ أحد أفرادها – من الشباب غالبًا – أسيرٌ للكحول والحشيشة والميسر والخلاعة! ورُبَّ إنسانٍ فَقَدَ معنى الحياة، وخلا من أيِّ تطلُّعٍ إلى المستقبل، وأضاع الرَّجاء. بل رُبَّ إنسانٍ زَجَّت به ظروفهُ الاجتماعيَّة القاهِرة في هذا الضِّيق، أو ضآلة فرص العمل التي تفقده الكرامة التي تمنحه أن يحمل خبزًا إلى بيته، بسبب نقصٍ في المساواة، فيما يتعلَّق بالحقِّ في التربية وفي الرِّعاية الصِّحيَّة. في هذه الحالات جميعًا، يُدعى الضِّيق الأخلاقي انتحارًا ناشئًا. وهذا الضرب من المضايق، الذي هو أيضًا علَّة انهيارٍ اقتصادي، يرتبط دائمًا بالضِّيق الرُّوحيّ الذي يحلُّ بنا عندما نجافي الله، ونرفض حبَّه. إن حسبنا أنفسنا أنَّنا لا حاجة بنا إلى الله، الذي يمدُّ يده إلينا في شخص المسيح، لاعتقادنا بأنَّه في وسعنا أن نقوم بأوَدنا وحدنا، نسلك في درب الإفلاس. فالله هو الوحيد الذي يخلِّص ويحرِّر حقَّاً".


الضِّيقُ المادِّيّ

"أيُّها الإخوة والأخوات الأعزّاء، لعلَّ الزمن الأربعيني يلقى الكنيسة جمعاء مستعدَّةً ومتأهِّبةً للشهادة، أمام الذين يعيشون في ضيقٍ مادِّيّ وأخلاقيّ وروحيّ لرسالة الإنجيل، التي تختصر بإعلان محبَّة الآب الرَّحيم والجاهز لمعانقة كلِّ إنسانٍ في المسيح. إنَّنا نستطيع القيام بهذا الأمر كلَّما تشبَّهنا بالمسيح، الذي افتقر فأغنانا بفقره. والزَّمن الأربعينيّ هو زمنٌ جُعِلَ من أجل التجرُّد. كم يجدر بنا أن نسأل أنفسنا ما عسانا نتجرَّد عنه، لكي نساعد آخرين ونُغنيهم بفقرنا. ولا ننسَ أنَّ الفقر الحقيقيّ يؤلم، فإنَّ أيَّ تجرُّدٍ يخلو من بُعد التوبة هذا، لن يكون تجرُّدًا صادقًا. أرتابُ في الصَّدقة التي لا تكلِّف صاحبها، ولا تسبِّب له بعض الألم".

"ليعضُدْ الرُّوح القدس الذي بفضله "نحسَبُ كأنَّنا فقراء، ولكنَّنا قادرون أن نُغني كثيرين، وكأنَّنا أناسٌ معوزون، ولكنَّنا نحوز كلَّ شيء" (2 كو 10:6)، فليعضُدْ نوايانا هذه وليشدِّد داخلنا الانتباه والمسؤوليَّة بإزاء الضِّيق البشريّ، حتى نصبح رحماء وفاعلي رحمة".

(إلى هنا رسالة البابا فرنسيس).


الصَّلوات الطَّقسيَّة مدرسةٌ روحيَّة

الصَّلوات الطَّقسيَّة مدرسةٌ روحيَّة، وهي دليلنا إلى نعمة الصَّوم بشقَّيه الجسديّ والرُّوحيّ. النشيد المذكور أعلاه في مطلع هذه الرِّسالة ينطلق من الصَّوم الجسديّ إلى معانيه الرُّوحيَّة. وهذا نصُّه: "إنَّ نعمة الصِّيام الكامل الوقار هي فائقةُ المجد. فبها وجد إيليَّا النبيّ مركبةً ناريّة. وموسى أخذ لوحَيّ الشريعة. ودانيال صار عجيبًا. وأليشع أقام ميتًا. والفتيان أطفأوا سعير النَّار. وكلُّ أحدٍ يتخصَّص لله. فلنتنعَّم به ونهتف قائلين: مباركٌ أنت أيُّها المسيح إلهنا الذي هكذا ارتضى المجد لك".

وهكذا يبدو جليَّاً أنَّ الصِّيام ليس فريضةً خارجيَّةً فحسب، بل هو بالأحرى نعمةٌ لها مفاعيلٌ روحيَّة متعدِّدة الجوانب، كما يبدو من النشيد.

1-    نعمة الصَّوم تساعد على الارتقاء الرُّوحيّ، وإلى هذا الارتقاء ترمز مركبةُ إيليَّا الذي صام أربعين يومًا قبل صعوده بالمركبة الناريَّة إلى السَّماء.

2-    ونعمة الصَّوم تجعل الإنسان يتفهَّم بعمقٍ معاني الشريعة الإلهيَّة ومعنى الوصايا العشر التي هي التعبير العمليّ عن خُلقيَّة الإنجيل المقدَّس، وهي التي تقبَّلها النبيُّ العظيم موسى على جبل حوريب في سيناء، حيث بقيَ أربعين يومًا في الصَّوم والصَّلاة.

3-    ونعمة الصَّوم قوَّت النبي دانيال وألهمته رؤاه العجيبة.

4-  ونعمة الصَّوم تصنع العجائب كما فعل أليشع بإقامة الأموات.

5-    ونعمة الصَّوم جعلت الفتيان الثلاثة في بابل يتسلَّطون على لهيب الأتُّون البابليّ ويُطفؤنه!

6-    والنِّعمة الكبرى التي تهبنا إيَّاها ممارسة الصَّوم المقدَّس أنّها تجعلنا نتخصَّص لله، وكأنَّنا من خلال الصَّوم ننال درجة دكتوراه أو ماجستير أو ليسانس وعنوانها وموضوعها "التخصُّص لله!" فيكون موضوع تخصُّصنا الرُّوحيّ، الله تعالى نفسه...

إلى هذه تدعونا صلوات زمن الصَّوم المقدَّس بعباراتٍ متنوِّعة ومتكرِّرة على مدى أسابيع الصَّوم المبارك. وقد وضعتُ وطبعتُ كُرَّاسًا خاصًّا بصلوات الصَّوم الكبير بعنوان: "ابتهالاتٌ مشرقيَّة" لزمن الصَّوم المبارك. وضمَّنته مختاراتٌ من هذه الصَّلوات. وفي هذه الرِّسالة أريد أنّ أختبئ خلف هذه الصَّلوات. وأقدِّمها باقةً روحيَّةً عطِرة لكلِّ مَن ستصله رسالتي الصِّياميَّة. وآمل أن تكون هذه الرِّسالة رفيقًا روحيًّا لهم في مرحلة الصَّوم المقدَّس. (المختارات في ملحق الرِّسالة)


الصَّوم الجماعي

أدعو إلى صومٍ جماعيّ. وأُشجِّع الأُسَر والشباب والشابَّات على الصَّوم. وآمل أن يخلق الصَّوم المقترن بالصَّلاة في البيت وقراءة الكتاب المقدَّس، جوًّا عائليًّا بمشاركة كلِّ أعضاء الأسرة، ويُسهم في تمكين وتوطيد وتعميق الرَّوابط والعلاقات الرُّوحيَّة والأسريَّة والاجتماعيَّة في العائلة، ويعمل على وحدتها التي هي أساس سعادتها وتجنِّبُها المخاطر التي تتهدَّدها اليوم أكثر من أيِّ وقتٍ مضى.

فالأسرة المسيحيَّة مدعوَّة إلى رسالةٍ خاصَّة مميَّزة في حمل بشرى الإنجيل المتجدِّدة داخل الأسرة وخارجها. وإلى هذا تدعو الوثيقة الأساسيَّة لأجل تهيئة سينودس الأساقفة الخاصّ في تشرين الأوَّل 2014 وعنوانه: "التحدِّيات الرَّعويَّة التي تواجه العائلة في إطار حمل بشرى الإنجيل المتجدِّدة".

ونأمل أن يكون الصَّوم مناسبةً جيِّدة لكي تجتمع الأسرة يوميًّا حول أيقونة السَّيِّد المسيح والسَّيِّدة العذراء للصَّلاة ومطالعة الكتاب المقدَّس ولا سيَّما الإنجيل المقدَّس. وأقترح أن تُتلى بخشوعٍ وجوٍّ تأمُّليّ مقاطعٌ من الصَّلوات المختارة الواردة في ملحق هذه الرِّسالة. وليكنْ الصَّوم برنامجًا عائليًّا مشتركًا ودربًا إلى القداسة المسيحيَّة.


الصَّوم والأوضاع الرَّاهنة

ندعو إلى تكثيف ممارسة الصَّوم في شقَّيه الجسدي والرُّوحي، في هذه الأوضاع المأساويَّة الدَّمويَّة القاسية في بلادنا العربيَّة عمومًا، ولاسيَّما في سورية ولبنان والعراق ومصر والأردن والأرض المقدَّسة. إنَّ معاناة رعايانا وجميع المواطنين كبيرةٌ جدًّا. ونحتاج إلى سلاح الصَّوم والصَّلاة أكثر من أيِّ وقتٍ مضى. كما قال لنا السَّيِّد المسيح: "هذا الجنس لا يخرج إلَّا بالصَّلاة والصَّوم".

ندعوكم أن تلجأوا إلى سلاح الرُّوح، وسلاح الإيمان، وسلاح الرَّجاء، عندما تتابعون الأوضاع المأساويَّة من خلال التلفزيون وباقي وسائل الإعلام والاتصال الاجتماعي... ولا تنجرُّوا إلى اليأس والإحباط، وربَّما إلى أفكار الكفر وفقدان الرَّجاء بالله وبعنايته ومحبَّته ورحمته!

وقد دعانا البابا فرنسيس قائلاً:

"لقد قضى الصِّراع في سورية على حياة الكثيرين في الفترة الأخيرة، مغذِّيًا الحقد والثأر. فلنواصل الصَّلاة إلى الرَّبّ كي يجنِّب الشعب السُّوريَّ الحبيب المزيد من الآلام، وكي تضع الأطراف المتناحرة حدًّا للعنف، وتضمن الحصول على المساعدات الإنسانيَّة. لقد اختبرنا قوَّة الصَّلاة! ويسرُّني أن ينضمَّ اليوم إلى ابتهالنا لأجل السَّلام لسورية مؤمنون ينتمون إلى مختلف الطَّوائف الدِّينيَّة. دعونا لا نفقد أبدًا شجاعة الصَّلاة! شجاعة القول:  يا ربّ امنح سلامك لسورية والعالم كلِّه. وأدعو غير المؤمنين أيضًا للتَّوق إلى السَّلام، مع رغبتهم هذه التي توسِّع القلب: جميعنا متَّحدون، أكان بواسطة الصَّلاة أو من خلال الرَّغبة. جميعنا متَّحدون من أجل السَّلام.

ولنترك قلبنا يتأثَّر، دعونا لا نخشى هذا الأمر. دعونا لا نخشى أن يتأثَّر قلبنا! نحن نحتاج لأن يتأثَّر قلبنا. لنترك حنان الله يدفئه، إنَّنا بحاجة إلى ملاطفاته. ملاطفات الله لا تسبِّب الجراح. ملاطفات الله تعطينا السَّلام والقوَّة. نحن نحتاج إلى ملاطفاته. الله عظيمٌ في المحبَّة، وله التسبيح والمجد مدى الدُّهور! الله سلام: لنطلب إليه أن يساعدنا على بناء السَّلام يوميًّا، في حياتنا، في عائلاتنا، في مدننا وأممنا، في العالم كلِّه. لنترك أنفسنا نتأثَّر بطيبة الله".

(إلى هنا رسالة البابا).

لا بل نقول لكم بدورنا وبصراحة: إنَّني أنا تنتابني المشاعر نفسها التي تشعرون بها... وأنا (ونحن رعاتكم) معرَّضون أيضًا للإحباط واليأس والثورة الدَّاخليَّة وفقدان الرَّجاء... فأنتم ونحن من طينةٍ واحدة: معاناتنا واحدة، وآلامنا واحدة، وآمالنا واحدة مشتركة. لا بدَّ أن نشجِّع بعضنا بعضًا بهذه العواطف والدَّعوات، ولا ننغلب لمشاعرَ هدَّامةٍ للنَّفس والجسد. وهذا أيضًا جزءٌ من عمل الصَّوم المقدَّس: إنَّه يبعث فينا الأمل والرَّجاء...

ومع البابا نقول لكم: "إن حَسِبْنا أنفسنا لا حاجة بنا إلى الله (في هذه المآسي) الذي يمدُّ يده إلينا في شخص المسيح، لاعتقادنا بأنَّه في وسعنا أن نقوم بأَوَدِنا وحدنا، نسلك في درب الإفلاس. فالله هو الوحيد الذي يخلِّص ويحرِّر حقًّا".

ومع الكنيسة نُصلِّي: "إنَّ نعمة الإمساك ذات النُّور الإلهيّ التي أشرقت اليوم أبهى من الشَّمس، تنير نفوسنا مبدِّدةً شهوات الخطايا تبديد الغيوم. فلنبادر كافَّةً بنشاطٍ ونصافحها، ونكمل ميدانها الإلهيَّ بفرح. ونصرخ إلى المسيح ونحن متنعِّمون بسرورها: قدِّس أيُّها الصَّالح الذين يُكمِّلون الصِّيام بإيمان." (يوم الإثنين من الأسبوع الرَّابع من الصَّوم)

                     صومٌ مبارك مقدَّس ومقدِّس للجميع
 
         مع بركتي ومحبَّتي ودعائي
         + غريغوريوس الثّالث

بطريرك أنطاكية وسائر المشرق والإسكندريَّة وأورشليم
                             للرُّوم الملكيين الكاثوليك

 
ملحق
روحانيَّة الصَّوم في صلوات الكنيسة

الصَّوم وأعمال الرَّحمة والعدالة الاجتماعيَّة

"أيُّها المؤمنون العارفون وصايا الرَّبّ. لِنَسلك هكذا: لنطعمْ الجياع ونسقِ العطاش. لنكسِ العُراة ونُضِف الغرباء. ونَعدِ المرضى ونزُر المحبوسين. حتى إنَّ الذي سيُدين كلَّ الأرض يقول لنا أيضًا: هلمَّ يا مباركي أبي. رثوا الملكَ المعدَّ لكم" (يوم الأحد من أسبوع مرفع اللَّحم).

"هكذا يجب علينا أن نصوم: لا بالغدر والخصام. ولا بالحسد والشَّحناء. ولا بالعجب والخيلاء. والغشِّ والرِّياء. لكن بعزمٍ متواضع كما علَّم المسيح".

إنَّ راحمي الفقراء يقرضون المخلِّص بعقلٍ حصيف. كما قيل. فيا له فرحًا لا يوصف. لأنَّه يمنحهم بسخاء جزاء الحسنات إلى جميع الدُّهور" (يوم الثلاثاء، من أسبوع مرفع اللَّحم).

"مع صومنا أيُّها الإخوة جسديًّا لنصمْ أيضًا روحيًّا. ونحلَّ كلَّ وثاقٍ ظالم. ونفكَّ عُقَدَ المعاملات الابتزازيَّة. ونمزِّق كلَّ صكٍّ جائز. ونُعطِ الجياع خبزًا. ولنضِفِ المساكين الذين لا مأوىً لهم. لكي ننال من المسيح الإله الرَّحمة العظمى" (يوم الأربعاء من أسبوع مرفع اللَّحم).

"هلمَّ أيُّها المؤمنون نعمل في النُّور أعمال النُّور، ونسلك متجمِّلين بالأدب سَيرنا في النَّهار. ولنقتلعْ من أذهاننا كلَّ حكمٍ جائزٍ على القريب، غير واضعينَ عثرةَ شكّ. ولننبذْ ملذَّات الجسد. ونُنمِ مواهب النَّفس، ونُعطِ المحتاجين خبزًا. ونتقدَّم إلى المسيح بتوبةٍ هاتفين: يا إلهنا ارحمنا" (السَّبت الأوَّل من الصَّوم: القدِّيس ثيوذورس).

"ليس ملكوت الله طعامًا وشرابًا. بل برٌّ ونسكٌ مع قداسة. فلا يدخله الأغنياء، بل الذين يخزنون كنوزهم في أيدي المساكين. هذا ما يعلِّمه داوود النبيُّ بقوله: إنَّ الرَّجل البارَّ الذي يرحم كلَّ النهار، المتنعِّمَ بالرَّبِّ والسَّالكَ في نورهِ، لا يَعثُر. كلُّ ذلك كُتِب لوعظنا، لنصوم ونعمل الصَّالحات. فيمنحنا الرَّبُّ السَّماويَّات بدلَ الأرضيَّات" (يوم الأحد من الأسبوع الخامس من الصَّوم).

"هلمَّ أيُّها الإخوة جميعًا نتقدَّم قبل الانقضاء بقلبٍ نقيٍّ إلى الإله المتحنِّن. مطَّرحين المهمَّات العالميَّة. ممارسين الاهتمام بالنُّفوس. رافضين بالإمساكِ لذَّات المآكل. مواظبين على عمل الرَّحمة، لأنَّ بها قومًا أضافوا ملائكةً من حيث لم يشعروا كما كتب. فلنعُلْ بواسطة المساكين من عالنا بجسده. ولنُلبِسْ بهم الملتحفَ بالنُّور كالثَّوب. لكي نحصل بشفاعة والدة الإله، الأمِّ البتول الطَّاهرة، على غفران الخطايا. ونهتف له بخشوعٍ: نجِّنا أيُّها الرَّبُّ من حكمِ حزب الشمال. وأهِّلنا للوقوف عن ميامنك. بما أنَّك رحيمٌ ومحبٌّ للبشر" (يوم الخميس من الأسبوع الخامس من الصَّوم).

"هلمُّوا أيُّها المؤمنون نعمل للسَّيِّد بنشاطٍ. فإنَّه يوزِّع الثروة على عبيده. وليضاعف كلٌّ منَّا وزنة النِّعمة بحسب طاقته. فعلى الواحد أن يزيِّن حكمته بالأعمال الصَّالحة. وعلى الآخر أن يُضفي على خدمته مسحةً من البهاء. على المؤمن أن يُشرِك الجاهل في الكلمة. وعلى الآخر أن يوزِّع ثروته على البائسين. فهكذا نضاعف القرض، ونؤهَّل للفرح السَّيِّدي، كوكلاء أمناء للنِّعمة. فأهِّلنا له أيُّها المسيح الإله بما أنَّك محبٌّ للبشر" (الثلاثاء العظيم المقدَّس).

الصَّومُ والتَّوبة

"لنسبِق أيُّها الإخوة فنُطهِّر أنفسنا لاستقبال التَّوبة ملكة الفضائل. فها قد وافت جالبةً لنا ثروة الصَّالحات، مُخمِدةً نهضات الشَّهوات، مصالحةً الأثمة مع السَّيِّد. فلنستقبلها بسرورٍ هاتفين إلى المسيح الإله. يا قائمًا من بين الأموات إحفظنا غير مدينين نحن ممجِّديك. أنت العادمَ الخطأ وحدك". (يوم الأحد من أسبوع مرفع اللَّحم).

"يا نفسُ. لِيَصِر لكِ نهارُ الصِّيام ابتعادًا عن الخطايا ومَيلاً نحو الله واتِّحادًا به. لكي تفرِّي من لُجَّة الشَّرّ. وتتوقي إلى المناهج التي تُبلِغُكِ وحدها الرَّاحة التي هنالك".

"أقبل الصِّيام والدُ العفاف، مُبكِّتُ الخطيئة ومساعد التَّوبة، سيرة الملائكة وخلاص البشر. فلنصرخْ أيُّها المؤمنون: يا الله ارحمنا" (ابتداء الأربعين المقدَّسة العظيمة. يوم الإثنين من الأسبوع الأوَّل من الصَّوم).

"أيُّها الإخوة الآخذون في الصِّيام الرُّوحيّ. لا تنطقْ ألسنتكم بالغشّ، ولا تضعوا للأخ عثرةَ شكّ. لكن فلننقِّ مصباح النَّفس بالتَّوبة. ولنهتف بعبَرَاتٍ إلى المسيح: إصفحْ عن أوزارِنا بما أنَّك محبٌّ للبشر" (يوم الأربعاء من الأسبوع الثاني من الصَّوم).

"أيُّها المؤمنون. لنُطهِرَنَّ الجسدَ بالصِّيام، والرُّوحَ بالإمساك، والنَّفسَ بالدُّموع. ولنستقبل الطَّاهر ونحن طاهرون مبتهجون. لنعاين الآلام الخلاصيَّة التي احتملها الفادي لأجلنا" (يوم الثلاثاء من الأسبوع الثاني من الصَّوم).

الصَّوم وأعمال الفضيلة

"هكذا يجب علينا أن نصوم: لا بالغدرِ والخِصام. ولا بالحسدِ والشّحناء. ولا بالعجب والخيلاء. والغشِّ والرِّياء. لكن بعزمٍ متواضع كما علَّمنا المسيح.

"إنَّ راحمي الفقراء يقرضون المخلِّص بعقلٍ حصيفٍ. كما قيل. فيا له فرحًا لا يوصف. لأنَّه يمنحهم بسخاءٍ جزاء الحسنات إلى جميع الدُّهور" (يوم الثلاثاء، من أسبوع مرفع اللَّحم).

"ها قد وافى الزَّمان فاتحةَ الجهادات الرُّوحيَّة، والغلَبَة على الشياطين، وسلاحُ الإمساك، وجمالُ الملائكة، والدَّالةُ لدى الله. لأنَّ موسى بالصَّوم صار كليمًا للخالق، وسمع بأذنَيه صوتًا من غيرِ أن يرى. فيا ربّ. أهِّلنا بواسطتهِ أن نسجدَ لآلامك وقيامتك المقدَّسة. بما أنَّك محبٌّ للبشر".

"لنفتتح زمن الصِّيام بحبور. باذلين أنفسنا في الجهادات الرُّوحيَّة. ولنُنَقِّ النَّفس ونطهِّر الجسد. صائمين عن الشَّهوات صومنا عن الأغذية. متنعِّمين بفضائل الرُّوح، التي نستحقُّ بتتميمنا إيَّاها بشوقٍ، أن نشاهد آلام المسيح الإله الكاملة الوقار، ونعاين الفصحَ المقدَّس مبتهجين روحيًّا" (أحد مرفع الجبن).

"لنبتدئ بالإمساك الكامل الإكرام مسرورين. متلألئين بأشعَّةِ أوامر المسيح إلهنا المقدَّسة، بضياءِ المحبَّة السَّاطع، وبَرْقِ الصَّلاة، وطهارةِ العفاف، وقوَّةِ الشجاعة. لكي نَبْلُغ مضيئين بنور عدم الفساد، إلى قيامة المسيح المقدَّسة، الثلاثيَّة الأيَّام المبهجة المسكونة" (يوم الإثنين من الأسبوع الأوَّل من الصَّوم. ابتداء الأربعين المقدَّسة العظيمة).

"عبثًا أفرحُ بالامتناع عن الأطعمة. أنا المتَّخذ الشرَّ مأكلي، والتَّهاون مشربي، والمقيمَ في كلِّ شيءٍ على الاعوجاج. لأنَّ الربَّ يقول: إنَّ مثلَ هذا الامتناع ليس صومًا".

"لنقبلْ فريضة الصِّيام بحبورٍ. لأنَّ الجَدَّ الأوَّل لو حفظها، لما طُرِدنا من عدنٍ. فالثمرة التي أماتتني كانت بهيَّةً للنَّظر. لذيذةً للأكل. فلا نغترَّ بالظَّاهر، ولا يلتذَّ حلقنا بالأطعمة الطيِّبة المعتبرة الآن، المحتقرة عند استعمالها. ولنهرب من النَّهم، ولا نكن عبيدًا للشَّهوات التي تتبع الشَّبع. بل لنصطبِغْ بدمِ المسوقِ إلى الموتِ طَوعًا من أجلنا. فلا يدنو منَّا المفسِد. ونأكل فصح المسيح الإلهيّ، لخلاص نفوسنا" (يوم الجمعة من الأسبوع الأوَّل من الصَّوم).

"إنَّ الصَّوم النَّقيَّ هو الابتعادُ عن الخطيئة واجتنابُ الشَّهوات، والمحبَّةُ لله، والمواظبةُ على الصَّلاة والعَبَرات مع الانسحاق، والاهتمامُ بالمساكين كما أمر المسيح في الكتب" (يوم الإثنين من الأسبوع الثاني من الصَّوم).

"لِنَصُمْ للرَّبِّ صومًا حقيقيًّا بالإمساك عن المآكل وضبط اللِّسان، والابتعاد عن الغضب والكذب وكلِّ هوىً آخر. حتى نستقبل الفصحَ أنقياء" (يوم الثلاثاء من الأسبوع الثاني من الصَّوم).

"يا نفسُ صومي عن الرَّداءة والشَّرّ، واَلجُمي الغضب وشراسة الخلُقِ وكلَّ خطيئة. لأنَّ يسوع إلهنا المحبَّ البشر إنَّما يريدُ مثلَ هذا الصِّيام" (الإثنين من الأسبوع الثالث من الصَّوم).


الصَّوم والحياة الرُّوحيَّة

"إنَّ نعمة الصِّيام المقدَّس المنيرة قد أشرقت، باعثةً لنا أشعَّةً مطهِّرةً تموُّجَ الأفكار، ومبعدةً ظلام الخيلاء. فلنصافحهُ إذاً يا مؤمنون بنشاط".

"يا نفسي عبثًا تفرحين بالإمساك، إذا صُمتِ عن المآكل ولم تَطهري من الشَّهوات. لأنَّه إن لم يكن الصِّيام سببًا لتحسين السِّيرة. يمقتُكِ الله ككاذبة، وتشبهينَ الشياطين الأشرار، الذين لا يأكلون البتَّة. فلا تُدنِّسي الصِّيام بارتكاب الخطيئة، بل اِلبَثي ثابتةً بإزاء صدمات التجارب القبيحة. عازمةً أن تقفي مع المخلِّص المصلوب. بل بالأحرى أن تُصلَبي مع الذي صُلِب لأجلك صارخةً إليه: أذكرني يا ربّ إذا أتيتَ في ملكوتكَ" (يوم الأربعاء من أسبوع مرفع اللَّحم).

"أيُّها المؤمنون. لنجعلْ هذا اليوم الحاضر ابتداء سيرةٍ نقيَّة، ونهيئ أنفسنا بنشاطٍ للجهاد. مقدِّمين لسيِّدِ الجميع أتعاب الجسد وخصبَ النَّفس" (يوم الجمعة من أسبوع مرفع اللَّحم).

"لنقدِّمْ للذي تواضعَ لأجلنا، صيامًا وصلاة، ودموعًا وخُلُقًا وضيعًا. لكي يُكلِّلنا في يوم الإمساك بالعفو عمَّا اجترمناه" (يوم الجمعة من أسبوع مرفع اللَّحم).


"لنبتدئْ أيُّها الشعوب بالصَّوم النقيِّ الطَّاهر. الذي هو خلاص النُّفوس، ونخدم الرَّبَّ بخوف، وندهن رؤوسنا بزيت الإحسان، ونغسل وجوهنا بماء العفاف. لا نكثر الكلام في الصَّلاة، لكن لنَصرُخ كما تعلَّمنا: يا أبانا الذي في السَّماوات. إغفر ذنوبنا بما أنَّكَ محبُّ البشر" (يوم الثلاثاء في الأسبوع الأوَّل من الصَّوم).
"يا نفسُ صومي عن جميع الشُّرور. متنعِّمةً بالمحبَّة الإلهيَّة. وافتحي الباب لجميع الأفكار الصَّالحة. مُغلِقةً مدخل الشُّرور والإمساك والتَّضرُّع" (يوم الجمعة من الأسبوع الثاني من الصَّوم).

الصَّوم والارتقاء الرُّوحي

لنصعد كلُّنا بالصِّيام إلى طور الأعمال الحميدة. مغادرين عثرات اللَّذَّات الأرضيَّة. وبِولوجِنا في غمام المناظر العقليَّة الشريفة نشاهد جمال المسيح المشتهى وحده. متألِّهين بالمراقي الإلهيَّة سرِّيًّا. (يوم الثلاثاء من الأسبوع الأوَّل من الصَّوم).

"هلمَّ نُجنِّح بالإمساكِ نفوسنا، محلِّقين جميعنا نحو السَّماوات. ونُقدِّم للرَّبِّ صلواتٍ حسنة القبول.

هلمَّ يا نفسُ مرتقيةً بأجنحةِ الفضائلِ بالصِّيام. وتعالي عن الشَّرِّ الأرضيّ. وتنعَّمي بالمناظر المنيرة، المسبِّبة نعيم الصَّالحات. وتشبَّهي بالله بالإيمان.

هلمَّ نصعد بالصِّيام إلى جبل الصَّلوات فنعاين الله نحن أيضًا بقلبٍ نقيّ، متقبِّلين كموسى لوحَي الوصايا في داخلنا. مُشرِقي الطَّلعة بمجدِ محبَّته" (يوم الثلاثاء من الأسبوع الأوَّل من الصَّوم).

لِنتوقنَّ إلى الصِّيام الذي يضمرُ بمؤازرة الرُّوح أهواء النفس العاتية، ويقوِّي على إتيان الأعمال الإلهيَّة، ويرفع العقل إلى السَّماوات، ويسبِّب الغفران. الذي يمنحه الإله الرَّؤوف عن الخطايا التي اجترمناها" (الإثنين من الأسبوع الثالث من الصَّوم).

ختام

أيُّها الإخوة والأخوات!

إليكم تحيَّتي القلبيَّة في هذا الصَّوم المبارك الذي يحمل لنا السَّلام والأمان والاطمئنان. إنَّ الصَّلوات المختارة التي أوردتُها لكم، تُعبِّر عن خبرةٍ روحيَّةٍ عميقة عاشها آباؤنا في مرحلة الصَّوم المبارك، وصاغوها من خلال هذه الصَّلوات. أدعوكم إلى الصَّوم وبالأخصّ إلى عيش هذه الخبرة الرُّوحيَّة التي تعبِّر عنها هذه الصَّلوات.

وأقترح أن تكون هذه المختارات رفيقًا روحيًّا في أيَّام الصِّيام في مختلف نشاطات العمل الرَّعوي. بحيث تعمل منها نسخ وتوزَّع في الاجتماعات.
 

+ غريغوريوس الثّالث

      بطريرك أنطاكية وسائر المشرق والإسكندريَّة وأورشليم
              للرُّوم الملكيِّين الكاثوليك


ملحق

معنى الصَّوم والقطاعة

الصَّومُ هو الامتناع عن كلِّ مأكلٍ ومشرب، من نصف اللَّيل وحتَّى الغروب. وهكذا يتناول الصَّائم وجبةً واحدةً في اليوم، وعمومًا بعد صلاة الغروب، أو رتبة الأقداس السَّابق تقديسُها.

الصَّومُ الإفخارستيّ أو القربانيّ: الصَّوم بهذا المعنى مرتبطٌ بالاحتفال بالليترجيَّا الإلهيَّة وبتناول القربان المقدَّس. حسب التقليد القديم، على المتقدِّم إلى المناولة أن يكونَ صائمًا عن كلِّ مأكلٍ ومشرب.

فالمناولة تُنهي الصَّوم (تكسر الصَّوم), سواءٌ كان ذلك خارج أيَّام الصَّوم أو في أيَّام الصَّوم الكبير. وفي هذه الحالة يُنهي الصَّائمُ نهارَه وصومَه بالاحتفال بليترجيَّا الأقداس السَّابق تقديسها، وهي رتبة الغروب مع مناولة احتفاليَّة. وينتهي صوم بارامون الميلاد والغطاس أو الظُّهور الإلهي بليترجيَّا القدِّيس باسيليوس الكبير تسبقها رتبة صلاة الغروب. وينتهي صوم الأيَّام الثلاثة الأخيرة في الأسبوع العظيم المقدَّس بالمناولة الفصحيَّة صبيحة أحد الفصح.

القطاعة هي الامتناع عن اللَّحم ومَرَق اللَّحم، وعن البياض (أعني البيض والجبن والألبان والزبدة) إلخ... أمَّا السَّمك فُيسمح به أيَّام معيَّنة. وكذلك الزَّيت والخمر يسمح بهما في أيَّام معيَّنة.


حكمة الأصوام

يعتبر الآباء القدِّيسون الصِّيامَ الأربعينيَّ الكبير كتأدية العُشر لله (في الواقع 40 هو تقريباً عُشر 365 يومًا). والوصيَّة تقول: أَوْفِ البرَكَة أي العشر. يضاف إليه صوم الميلاد والرُّسل والسَّيِّدة. وتتوزَّع هذه الأصوام الأساسيَّة الأربعة على فصول السَّنة الأربعة لتقدِّس السَّنة كلَّها: صوم الميلاد للخريف، الصَّوم الأربعيني للشتاء، صوم الرُّسل للرَّبيع، وصوم السَّيِّدة للصَّيف.

وهكذا فإنَّ المسيحي المؤمن المواظب على الأصوام المختلفة، يبقى على اتصالٍ دائم بالرِّياضات الرُّوحيَّة والممارسات التقشُّفيَّة، وفي يقظةٍ روحيَّةٍ لعمل الرُّوح فيه. ويحافظ بذلك على "لياقة" النَّفس والجسد في آنٍ واحد.

كثيرون يقصدون الأطبَّاء والعلماء لكي يحصلوا على المعلومات الوافية للمحافظة على صحَّتهم الجسديَّة. وكم تكون دهشة الكثيرين إذا علموا أنَّ حكمة الكنيسة في توزيع الأصوام تتوافق مع التوجيهات الطِّبِّيَّة. لا بل تفوقها لأنَّها تهدف صحَّة النَّفس والجسد. وهكذا يتمُّ قول السَّيِّد المسيح المعلِّم الأكبر: "اطلبوا أوَّلاً ملكوت الله وبرَّه، وهذا كلُّه يُزاد لكم". ويقول: "ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، بل بكلِّ كلمةٍ تخرج من فم الله". وهذا كان جواب يسوع للمجرِّب في البرِّيَّة. ويقول بولس شارحًا معنى الصَّوم الحقيقي: "إن أكلتم أو شربتم أو مهما عملتم، فاعملوا كلَّ شيءٍ لمجدِ الله". ويقول أيضًا: "مجِّدوا الله في أجسادكم وفي أرواحكم أيضًا".


الأصوام على مدار السَّنة

ما زالت أمُّنا الكنيسة المقدَّسة على مدى أجيال تاريخها تُحرِّضنا على ممارسة الأصوام المقدَّسة على مدار السَّنة:

الصَّوم أو القطاعة أسبوعيًّا يومَيّ الأربعاء والجمعة، صوم الميلاد (15 ت2 – 24 ك1)، صوم الرُّسل (قبل عيد الرُّسل 29 حزيران)، صوم السَّيِّدة (1 – 15 آب)، والصَّوم الأربعيني الكبير قبل عيد القيامة المجيدة.

قانونُ الصَّوم والقطاعة في كنيسة الرُّوم الملكيين الكاثوليك

عالجت مجامعُ كنيسةِ الرُّوم الملكيين الكاثوليك مسألةَ الصَّومِ والقطاعة مرارًا، وخاصَّةً في الخمسينات (1949-1954). وكان التوجُّه العام، خصوصًا بعد المجمع الڤاتيكاني الثاني، أن ينظِّم كلَّ مطرانٍ قانون الصَّوم والقطاعة المناسب لأبرشيَّته.

بالرَّغم من هذه التفسيحات التي توضع لظروفٍ حياتيَّة مختلفة، فإنَّ قانون الصَّوم حسب التقليد الشرقيّ العامّ، لا يزال متَّبَعًا لدى عددٍ لا بأس به من المؤسَّسات الرَّهبانيَّة والأفراد.


الطُّقوس الخاصَّة بزمن الصِّيام الأربعيني الكبير

ليترجيَّا الأقداس السَّابق تقديسها: إنَّ الكنيسة البيزنطيَّة لا تقيم ليترجيَّا القدَّاس الإلهيّ أيَّام الإثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس والجمعة من أسابيع الصَّوم، ويومَيّ الأربعاء والجمعة من أسبوع مرفع الجبن، وذلك دليلاً على التَّوبة التي يجب أن ترافق الصَّوم. ولكي لا تحرم مع ذلك أبناءها نعمة الاغتذاء بجسد الرَّبّ، تحفظ الأجزاء الإلهيَّة التي يتمُّ تقديسها أيَّام السُّبوت والآحاد وتوزُّعها عليهم عشيَّة أيَّام الصَّوم المذكورة أعلاه، في آخر رتبة الغروب، وتقام إذ ذاك هذه الرُّتبة في إطارٍ خاصّ، ندعوه "رتبة الأقداس السَّابق تقديسها" ويقال لها باليونانيَّة "البروجيازمينا". أمَّا في كنيستنا الرُّوميَّة الملكيَّة اليوم، فقد عمَّت العادة أن لا تقام هذه الرُّتبة إلَّا في يومَيّ الأربعاء والجمعة من أسابيع الصَّوم، وفي الأيَّام الثلاثة الأولى من الأسبوع الأوَّل من الصَّوم ومن أسبوع الآلام. أمَّا في باقي أيَّام الصَّوم، فيقيم الكهنة قدَّاس يوحنَّا الذَّهبي كالمعتاد، ويتلون فيه أناجيل ورسائل خاصَّة.


صلاة النَّوم الكبرى: يحتفل بهذه الصَّلاة مساء الإثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس من أسابيع الصَّوم، وتعرف بصلاة "يا ربَّ القوَّات".


رتبة المدائح: ويقال لها باليونانيَّة "الأكاثستوس"، تقام مساء الجمعة من الأسابيع الخمسة الأولى من الصَّوم، إكرامًا لوالدة الإله الفائقة القداسة.

قدَّاس القدِّيس باسيليوس: يُحتفَل به في كلِّ آحاد الصَّوم ويومَيّ الخميس والسَّبت من أسبوع الآلام.
 



رسالة غبطة البطريرك غريغوريوس الثالث لعيد الميلاد 2013

رسالة صاحب الغبطة
البطريرك غريغوريوس الثَّالث
بطريرك أنطاكية وسائر المشرق والإسكندريَّة وأورشليم
للرُّوم المَلَكيِّين الكاثوليك
بمناسبة عيد الميلاد المجيد
25 كانون الأوّل 3012

من غريغوريوسَ عبدِ يسوعَ المسيح
برحمةِ الله تعالى
بطريرك أنطاكية وسائر المشرق
والإسكندريّة وأورشليم

إلى الإخوة السَّادة المطارنة، أعضاء المجمع المقدَّس الموقَّرين
وسائر أبنائنا وبناتنا بالمسيحِ يسوع، إكليروسًا وشعبًا،
المدعوِّين قدِّيسين، مع جميع الذين يَدعُون باسم ربِّنا يسوع المسيح، ربِّهم وربِّنا
نعمةٌ لكم وسلامٌ من الله أبينا، والرَّبِّ يسوع المسيح (اكور: 1-3).

 

السلام عليكِ يا من أظهَرَتِ الربَّ المحبَّ البشر
عيد ميلاد السيد المسيح بحسب الجسد 25 كانون الأول 2013

السلام عليكِ يا من أظهَرَتِ الربَّ المحبَّ البشر


    هذه التحيَّة لمريم العذراء هي تعبيرٌ مريميٌّ لاهوتيٌّ وجدانيٌّ بشريٌّ وإلهيٌّ رائعٌ وفريدٌ ومميَّزٌ ومعجزٌ! تعبيرٌ معجز في إيجازه لشرح التجسُّد الإلهي، ولأسمى المعاني التي يحملها عيد الميلاد المجيد الذي نحتفل به كلّ عام. إنَّنا نكتشف عامًا بعد عام معانيه السامية التي تفوق الإنسان. أو بالحري ترفع الإنسان، تسمو به إلى علوِّ الله، لا بل تؤلِّهه! وهنا نحبُّ أن نردِّد المقولة اللاهوتيَّة الآبائيَّة والليترجيَّة المأثورة: إنَّ الله أصبح إنسانًا لكي تصبح أنت الإنسان إلهًا! وإلى هذا تشير صلواتنا: آدم اشتهى أن يكون إلهًا فخاب أمله! فأصبح الله إنسانًا وحقَّق أحلام آدم التي كانت موضوع أول حلمٍ للإنسان عندما كان في الجنَّة، حيث أوحت الحيَّة المجرِّبة إليه وإلى حواء: تصيران آلهة! عارفَين الشرَّ والخير!

وها هو الحلم يتحقَّق من خلال أمّنا مريم العذراء التي أظهرت المسيح الربَّ المحبّ البشر! فعيد الميلاد هو مريمي ومسيحاني في آنٍ واحد. هذه الآية الواردة في أجمل مجموعة مدائح أمّنا مريم العذراء (السيّدة والدة الإله)، وهو قانون المدائح (التسبحة التاسعة)، تختصر معانيَ الميلاد: التجسُّد هو علامة محبَّة الله للبشر. والإله المتجسِّد يسوع المسيح إلهنا ومخلِّصنا وفادينا، صفته الأساسيَّة الكبرى العميقة الواسعة الشاملة الفريدة هي: الله المحبّ البشر. ويقابل هذه الآية من المدائح ما أورده القدّيس الرسول يوحنا الإنجيلي: الله محبَّة! ويقابل ذلك ما ورد عند الإنجيلي يوحنّا نفسه: "هكذا أحبَّ الله العالم حتى إنَّه بذل ابنه الوحيد كي لا يهلك كلّ من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبديَّة" (يوحنا 16:3). وهذا ما قاله السيِّد المسيح مؤكِّدًا أنَّه الراعي الصالح: "إنما أتيت لكي تكون لهم الحياة وتكون لهم أفضل وبوفرة" (يوحنا 10:10).

المحبَّة أسمى معاني الميلاد

وتبدو معاني الميلاد في خطاب يسوع الأخير لتلاميذه قبيل آلامه وموته وقيامته. يمكننا أن نعتبر هذا الخطاب مختصر معاني الميلاد والتجسُّد الإلهي والتدبير الخلاصي، لا بل مختصر الإيمان المسيحي. أولاً السيِّد المسيح يغسل أرجل تلاميذه. ويقدِّم يوحنّا الإنجيلي لهذا الغسل بهذه العبارة: "إذ كان يسوع يعلم أنَّ الساعة قد حانت له لينتقل من هذا العالم إلى أبيه، هو الذي أحبَّ خاصّته الذين في العالم، أحبَّهم إلى الغاية... نهض عن العشاء... وطفق يغسل أرجل تلاميذه" (يوحنا 13).

غسل الأرجل هو علامة المحبَّة قبل أن يكون علامة تواضع. ولهذا يطلب السيِّد المسيح من التلاميذ: "وجب عليكم أن يغسل بعضكم أرجل بعض". وأذكر أنَّني كتبت في مذكراتي حالاً بعد انتخابي بطريركًا في 29 تشرين الثاني عام 2000، أنَّني كنت أودُّ أن أبدأ بطريركيَّتي بغسل أرجل إخوتي الأساقفة. ولكن من استشرتهم لم يوافقوا على ذلك!

وحالاً بعد غسل الأرجل وخروج يهوذا، يعلن يسوع وصيَّته الأخيرة لتلاميذه، ولكنَّها في الحقيقة الأولى، وهي مختصر تجسّده وميلاده وتعاليمه: "إنّي أعطيكم وصيَّة جديدة: أن يحبّ بعضكم بعضًا. أجل أن يحبّ بعضكم بعضًا كما أحببتكم أنا. بهذا يعرف الناس أنَّكم تلاميذي إذا كنتم تحبّون بعضكم بعضًا" (يوحنا 34:13-35).

ويُظهر يسوع محبَّته لتلاميذه إذ يؤكِّد لهم: "إنَّ في بيتِ أبي منازل كثيرة... إنِّي منطلق لأُعدَّ لكم مكانًا. وإذا انطلقتُ وأعددتُ لكم مكانًا أرجع وآخذكم إليَّ. لتكونوا أنتم أيضًا حيث أكون أنا" (يوحنا 2:14-3). تلاميذ يسوع يصبحون أبناءَه، ولهذا يخاطبهم كأب: "لا أدعكم يتامى! إنّي آتي إليكم" (يوحنا 18:14). ويؤكِّد مجدَّدًا وتكرارًا محبَّته لتلاميذه: "من كانت عنده وصاياي وحفظها فهو الذي يُحبُّني. والذي يحبُّني يحبَّه أبي. وأنا أحبُّه وأظهر له ذاتي" (يوحنا 21:14). وفي خطابه الأخير نفسه يعود الكرة إلى تأكيد محبَّته: "إن أحبَّني أحد يحفظ كلمتي وأبي يحبُّه. وإليه نأتي. وعنده نجعل مقامنا" (يوحنا 23:14). وتعود تترَّدد عبارات محبَّة يسوع لتلاميذه في الفصل الخامس عشر حيث يؤكِّد المسيح على اتحاده بتلاميذه وضرورة اتحاد تلاميذه به من خلال مَثَل الكرمة والأغصان: "كما أحبَّني الآب، أنا أيضًا أحببتكم. أُثبتوا في محبَّتي. إن حفظتم وصاياي تثبتون في محبَّتي. كما أني حفظتُ وصايا أبي. وأنا ثابتٌ في محبَّته" (يوحنا 15: 9-10). ومن جديد يذكِّرهم بوصيَّته الأخيرة: "هذه وصيَّتي: أن يُحبَّ بعضكم بعضًا كما أحببتكم أنا. ليس لأحد حبٌّ أعظم من أن يبذل نفسه عن أصدقائه. فأنتم أصدقائي!" (يوحنا 12:15-14)."لا أدعوكم بعد عبيدًا... بل سمّيتكم أصدقائي" (يوحنا 15:15). ومن جديد: "فما أوصيكم به إذًا، هو أن يُحبَّ بعضكم بعضًا" (يوحنا 17:15).

ويتابع يسوع خطابه الأخير الرائع لتلاميذه بلهجة أخويَّة أبويَّة، كصديق وأخ وأب ومحبّ وعاشق... ويعلن لهم عن محبَّة الآب لهم: "ولست أقول لكم إنّي أسأل الآب لأجلكم. فإنَّ الآب أيضًا يحبّكم لأنَّكم أحببتموني" (يوحنا 26:16). كلّها إعلان محبَّة هذا الإله المحبّ البشر!

وفي الجزء الأخير من خطاب يسوع الأخير تتحوَّل كلمات يسوع المحبّ البشر إلى صلاة أخيرة حارّة لأجل تلاميذه، يسكب نفسه أمامهم بعواطف رقيقة وبحنوٍّ وحبٍّ. يخاف عليهم من العالم، من الاضطهاد، من الضيق... وتنتهي صلاته بطلبٍ إلى الآب لكي تثبت محبَّة الله فيهم: "لقد عرَّفتهم باسمك وسأُعرِّفهم أيضًا. لتكون فيهم المحبَّة التي أحببتني. وأكون أنا فيهم" (يوحنا 26:17).

الرعاية في الكنيسة محبَّة

 وينتهي إنجيل يوحنّا الحبيب، التلميذ الذي كان يسوع يحبّه، إنجيل المحبَّة، ينتهي بطلب يسوع المحبّ البشر من بطرس أن يُعلن محبَّته له قبل أن يُسلِّمه رعاية القطيع، رعاية الكنيسة. وهذا هو نص الامتحان الذي طلبه يسوع من بطرس كمقدِّمة لتسلُّم عصا الرعاية.

"ولما تغدَّوا قال يسوع لسمعان بطرس: "ياسمعان ابن يوحنّا، أتحبُّني أكثر من هؤلاء؟" قال لهُ:
"نعم يا ربّ، أنت تعلم أنّي أُحبُّك". قال له:"إرع خرافي" (يوحنّا 16:21). "ثمَّ قال له ثانيَّة: "يا سمعان بن يوحنّا، أتحبُّني؟" قال له: "نعم يارب. أنتَ تعلم أنَّني أحبّك". قال له: "إرعَ نعاجي". ثمَّ قال له ثالثة: "يا سمعان بن يوحنا أتحبّني" فحزن بطرس أنَّ يسوع قال له ثالثةً: "أتحبُّني"، وقال له: "يا ربّ، أنت تعرف كلَّ شيء؛ وأنتَ تعلم أنّي أُحبُّكَ". قال له يسوع:"إرع نعاجي" (يوحنّا 17:21).
وهكذا يظهر بوضوح أنَّ المسيحيَّة ترتكز أولاً وآخرًا على محبَّة إلهٍ محبٍّ للبشر! والكنيسة ترتكز على محبَّة البشر! محبَّة الآخر! محبَّة جميع أبناء البشر، لأنَّهم كلّهم أبناء الله وأبناء البشر! والرعاية والخدمة وكل جوانب رسالة الكنيسة ترتكز على هذه المحبَّة. لأنَّ التجسُّد الإلهي، الميلاد، هو عمل محبَّة يسوع الإله المحبّ البشر.

المحبَّة في رسائل يوحنّا وبولس

يوحنّا الحبيب الذي كتب إنجيل المحبَّة، أوضح في رسائله الثلاثة مركزيَّة المحبَّة في شرحه لمعاني التجسُّد الإلهي، ولصفات الله وأسمائه، لا بل لجوهره وكيانه، قائلاً: "الله محبَّة" (رسالة يوحنّا الأولى 8:3).

الرسالة الأولى تبدو شرحًا لتعليم السيِّد المسيح المحبّ البشر. وهي مجبولة بالمحبَّة ومظاهِرها وشروطِها وأهمِيَّتها، وهي أيضًا كما في تعليم السيِّد المسيح الوصيَّة الجديدة.

ويذهب يوحنا إلى القول: "إن قال أحد إنِّي أحبُّ الله، وهو يُبغض أخاه فهو كاذب. فمن لا يحبُّ أخاه الذي يراه، فلا يستطيع أن يحبّ الله وهو لا يراه" (يوحنا 20:3). وترد عبارة المحبَّة في هذه الرسالة 43 مرة.

هذا هو لاهوت المسيحيَّة والكنيسة: إنَّه يُختصَر بالمحبَّة. هذا ما ورد في صلوات خدمة عيد انتقال القدّيس يوحنّا الحبيب (26 أيلول) حيث نقرأ:"فيا له من عجبٍ مُدهش. وأمرٍ فائق الحكمة. لأنَّ الذي هو مملوء من المحبَّة. صار ممتلئًا من التكلُّم باللاهوت. ولايزال بالمجد والكرامة والأمانة. رُكنًا لإيماننا غير المنثلم"

ولن أتطرَّق إلى بولس الرسول وتعليمه عن المحبَّة. حيث تَرِد عبارة المحبَّة أو مرادفاتها والقريبة إليها حوالي مئة مرَّة. وكلّنا نتذوَّق بلا ملل نشيد المحبَّة، حيث يؤكِّد بولس في نهايته قائلاً: "الآن يثبت الإيمان والرجاء والمحبَّة، هذه الثلاثة، لكن أعظمهنَّ المحبَّة" ( 1 كورنتوس 13:13).

لقد عالجتُ موضوع المحبَّة في رسالتي لعيد الفصح والقيامة عام 2006 في رسالة بعنوان: المحبَّة قيامة.

واليوم ومن خلال تأمّلي في سرّ الميلاد والتجسُّد وحياة يسوع وتعاليمه وعجائبه وأمثاله، أكتشف بعمقٍ جديد أنَّ المسيحيَّة تختصر بالمحبَّة، بهذه الصفة الإلهيَّة والإنسانيَّة: الله المحبّ البشر! وظهور الله في الميلاد هو ظهور الله المحبّ البشر. وهكذا نتحقَّق أنَّ:

ظهور الله هو ظهور محبَّة الله المحبّ البشر!
ظهور المسيح هو ظهور محبَّة الله المحبّ البشر!
ميلاد المسيح هو ظهور وميلاد محبَّة الله المحبّ البشر!


لقد ظهرت نعمة الله

هذه الآية من رسالة القدّيس بولس إلى تيطس (11:2) هي التي أصبحت اسم العيد الكبير الذي نحتفل به في السادس من كانون الثاني ويدعى: "ظهور ربنا وإلهنا ومخلّصنا يسوع المسيح المقدّس". ويدعى في لسان العامة: عيد الظهور الإلهي، وأيضًا عيد الغطاس أو عيد العماد. وهو عيد الميلاد القديم في الكنيسة الشرقيّة، وهو يعني بنوع عام ظهور المسيح الإله واعتلانه للعالم، أولاً في الميلاد وسجود المجوس، ثمَّ في المعموديَّة في نهر الأردن على يد يوحنّا المعمدان واعتلان (أو ظهور) الثالوث القدّوسالآب والابن والرّوح القدس أثناء المعموديَّة. وهذا ما نقوله في أناشيد العيد: "في اعتمادك يا ربّ في نهر الأردن ظهر السجود للثالوث". وأيضًا: "اليوم ظهرتَ للمسكونة يا ربّ، ونورك قد ارتسم علينا. لقد أتيتَ وظهرتَ أيّها النور الذي لا يدنى منه". وإلى هذا تشير صلوات العيد:

"ظهرتَ في العالم يا مخلِّص العالم لكي تنير الجالسين في الظلام يا محبّ البشر المجد لك."

"ظهرت بجودتك للخطأة والعشاّرين لأنَّه أين يشرق نورك؟ إلاّ للجالسين في الظلام. المجد لك" (غروب بارامون عيد الغطاس).

وكان المؤمنون قديمًا يعيّدونَ بعضهم بعضًا في هذا العيد بهذه العبارة:
"لقد ظهر المسيح في الأردن" وهذا هو معنى تكريس المنازل في هذا العيد: المسيح ظهر وبظهوره قدّس المسكونة كلّها.

هل نعي معنى ظهور المسيح في حياتنا والتحدّي الكبير الذي يفرضه في مسلكيتنا وخلقيّتنا ومسؤوليّتنا في العالم، في المجتمع؟

إلى هذا تدعونا صلواتنا: "إنَّ الخالق أظهر لنا نحن الذين أبدعهم خليقة جديدة وذلك بظهوره مولودًا من بطن بلا زرع" (المدائح – البيت 13).

يقول لنا بولس في رسالته إلى أهل كولسي (4:3-5 و 9-10) "يا إخوة متى ظهر المسيح تظهرون أنتم أيضًا معه بمجد. فأميتوا إذن أعضاءكم التي في الأرض، الزنى والنجاسة والهوى والشهوة والرديئة والطمع... إخلعوا الإنسان العتيق مع أعماله. والبسوا الإنسان الجديد الذي يتجدَّد للمعرفة على صورة خالقه".

وفي رسالته إلى تيطس يقول: "لقد ظهرت نعمة الله المخلّصة جميع الناس مؤدِّبة إيانا لننكر الكفر والشهوات العالمية... فلمَّا ظهر لطف الله مخلّصنا ومحبَّته للبشر، خلَّصنا هو، لا اعتبارًا لأعمال برٍّ عملناها، بل بحسب رحمته، بغسل الميلاد الثاني وتجديد الروح القدس" (تيطوس 11:2-12 و 4:3-5).

الله يَظهر للناس لكي يؤلِّههم، يرفعهم، يؤلِّقهم.

الإنسان يختبئ في الفردوس من أمام وجه الله.

الله يتمشَّى في الجنَّة، يفتّش عن آدم: آدم أين أنت؟ ويجيب آدم: لقد اختبأت لأنَّني كنت عريانًا (تكوين 9:3-10).

العري هو فقدان النعمة! فقدان حضور الله المحبّ البشر في حياة الإنسان... الإنسان يبتعد عن الله... يستغني عن الله... يستقل عن الله... يصبح قطبَ ذاته... يتقوقع بالتكنولوجيا المعاصرة... ويصبح عالماً مستقلاً عن الله وعن الآخر...

كم نتأثَّر عندما نرى إنسانًا كبيرًا، رئيسًا، وزيرًا، ملكًا، بابا، رئيس جمهوريَّة... يتنازل، يخالط الناس، يتزيَّ بزيٍّ بسيط غير زيّ سلطته أو وظيفته... ونفرح بذلك ونرى في ذلك علامة محبَّة مميَّزة.

هذا الملك العظيم، هو يسوع المحبّ البشر، المولود في مغارة بيت لحم! وهو مع ذلك الإله الذي قبل الدهور، وهو أيضًا الإله المحبّ البشر!

التجسّد هو قربُ الله من البشر... الميلاد هو قربُ الله المحبّ للبشر من البشر!
الله يتقرّب من الناس... والإنسان يحاول الابتعاد عن الله... لا يريد أن يتدخَّل اللهُ في حياته، وفي تصرّفه، وفي مصيره...

عيد الميلاد يعود كلَّ سنة لكي يذكِّرنا بالحدث العظيم: ظهور الله المحبّ البشر للبشر خليقته!

سلسلة الأحداث والأعياد والقراءَات من العهد القديم والجديد كلّها تعتبر مقدِّمة لعيد الميلاد. وتتتالى أحداث التجسّد حتى 2 شباط وعيد دخول السيِّد إلى الهيكل، وحتى عيد الظهور في 6 ك2 أو عيد العماد، أو عيد بدء حياة يسوع العلنيَّة. وحياته كلّها هي إظهار لمحبَّة الله للبشر: تعاليمه! أمثاله! عجائبه!... كلّها علامات محبَّته للبشر!

الملفت أنَّ عبارة "الإله المحبّ البشر" هي الأكثر ورودًا في الصلوات والأناشيد الطقسيَّة، لاسيَّما في الطقس اليوناني (البيزنطي).

المسيحيُّ يُظهر المسيح

ظهور يسوع مهم... واليوم ظهوركَ كمسيحي بهويَّتكَ الكاملة الإنسانية والمسيحية يظهر يسوع...

ظهوركَ أنت أيّها المسيحي في حياتكَ المسيحيَّة، في المجتمع في السياسة، في العمل، في العلاقات مع كلّ إنسان بالمطلق بدون تمييز الدين والعرق والجنس... يجب أن يكون ظهور الله المحبّ البشر!

من هنا أهمية الالتزام الاجتماعي بقضايا المجتمع والناس (والفقراء... والبعيدين...).من هنا معنى الدور المسيحي... الإنساني...

كلمة غاندي : أحببتُ مسيحكم وأبغضتُ مسيحيتكم! لأنَّنا لا نُظهر المسيح المحبّ البشر من خلال حياتنا.ولهذا قيل: "إن اسم الله يُجدِّف عليه بين الأمم بسببكم" (رومانيون 24:2) (راجع حزقيال 20:36-22).

أذكر ردَّة فعل (SMS) أحدهم على مظهر قبلة السلام في آخر السينودس بين المطارنة ومع البطريرك: أحببتُ كنيستكم وطقسكم بسبب هذا المشهد الذي يُعبِّر عن المحبَّة فيما بينكم!

ظهور المسيح المحبّ البشر يتحقَّق من خلال حياة المسيحيين، في تاريخ الكنيسة، في حياة القدّيسين، في الأيقونات المقدَّسة، في جمال الكنائس! في محبَّة الفقراء، في إظهار جمال تعاليم الإنجيل المقدّس: كل ذلك ظهور المسيح المحبّ البشر.

هناك علمانيَّةٌ تريد أو تحاول أن تجعل الإيمان في المخدع، داخل جدار الكنيسة بدون حضور أو تأثير في المجتمع. هذه العلمانيَّة مرفوضة. هذا مخالف لتعليم السيِّد المسيح الذي يقول لنا:

"لا يوقد سراج ويوضع تحت المكيال بل على المنارة ليضيء لمن في البيت" (متى 15:5) ويقول يسوع: "هكذا فليضئ نوركم قدام الناس" (متى 16:5). وهذا هو عنوان رسالة قداسة البابا فرنسيس الأول التي هي متابعة خط ورسالة البابا بندكتوس: "نور الإيمان". ظهور المسيح مهدَّد اليوم بسبب العلمانيَّة التي أصبحت ديانة اليوم!

يقول بولس الرسول: "الخليقة تئنُّ منتظرة تجلِّي أبناء الله".(رو 8: 19)

هذه الخليقة هو عالمنا المشرقي. والمسيح يتجلَّى ويظهر فيه من خلالنا ووجودنا وحياتنا المسيحيَّة ومسلكنا المسيحي وأخلاقنا المسيحيَّة وأعيادنا وعاداتنا وتقاليدنا ومزاراتنا...

    ظهور الله المحبَّة، يعني ظهور محبَّة الله للبشر، ومحبَّة البشر لبعضهم البعض    
    
كيف يُظهِرُ تبَّاعُ المسيح الإلهَ المحبَّ البشر، اللهَ المحبَّة؟ إنَّهم يُظهرونه بالمحبَّة...

من هنا الآية المعروفة: "بهذا يعرف الناس أنَّكم تلاميذي، إذا كنتم تحبّون بعضكم بعضًا" (يوحنا 35:13). وهكذا باقي الآيات التي تتكلَّم عن علاقة ظهور المسيح بالمحبَّة وظهور تلاميذ المسيح بالمحبَّة...

ومن هنا أيضًا مقولة (ترتليانوس) عن المسيحيين الأوائل، وعن العلاقة الفارقة المميَّزة التي تميِّزهم عن الآخرين، ولنقل تظهرهم للآخرين: "أنظروا كيف يُحبُّون بعضهم بعضًا..."

وعندما دمع يسوع على صديقه لعازر، تعجَّب اليهود الذين أتوا ليعزَّوا أختيه مرتا ومريم، وقالوا: أنظروا كيف كان يحبّه. (يوحنّا 36:11).

إذًا يُظهر أبناءُ الله المحبَّة، بعيش المحبَّة. وقد جعل يسوع المحبَّة دستور ظهورهم، ومسلكهم في المجتمع والتزامهم قضايا مجتمعهم وخدمتهم وعطائهم وغيرتهم وسخائهم وانتمائهم...

وتَظهر الكنيسةُ الخادمة من خلال المحبَّة وأعمال الرحمة والمحبَّة والمشاريع الخيريَّة والتربويَّة...

هكذا كان حال الجماعة المسيحيَّة الأولى: كان كلّ شيء مشتركًا بينهم... وكانوا روحًا واحدًا وقلبًا واحدًا... وهذا كان شعار السينودس لأجل الكنيسة في الشرق الأوسط. وكان عنوانه الملفت الجميل: شركة وشهادة. كم هو جميل أن يكون شعار الإرشاد الرسولي هذه الآيات من أعمال الرسل التي تصف حياة الجماعة المسيحيَّة الأولى.

اليوم نحتاج إلى فهم دور الكنيسة ودور أبناء وبنات الكنيسة من خلال هذه الرؤية اللاهوتيَّة الإنسانيَّة والآلهيَّة.

وكيف ظهرت الكنيسة في مجتمعنا العربي؟ ظهرت من خلال محبَّتها وخدمتها ومؤسَّساتها ومشاريعها...

ظهور المسيح والمسيحي في العالم العربي

هذا العالم هو عالمنا العربي ذو الأغلبيَّة المسلمة، يحتاج إلى ظهور المسيح فيه من خلالنا. جاء في القرآن الكريم: "لستم على شيء إن لم تقيموا التوارة والإنجيل" (سورة المائدة 86:5). من يُقيم التوارة والإنجيل ؟

عالمنا العربي الإسلامي بحاجة إلينا. فلا نَحرم عالَمَنا وجودَنا وحضورَنا وشهادتَنا، وذلك سواء بعدم سلوكنا سلوكًا مسيحيًّا يُظهر المسيح ويُبرهن على جمال تعاليم الإنجيل ويسوع، أو بسبب غيابنا وعدم تأثيرنا في مجتمعنا... أو إذا تقلَّص عددنا وهاجرنا!

53 قرية حول نابلس في فلسطين كانت مسيحيَّة. حاليًّا فيها الكنيسة والمقبرة! ولا مسيحيّون! بل فقط أرزاقهم وبيوتهم الفارغة...

الوجود المسيحي هنا، هو إظهار المسيح الربّ المحبّ البشر. هو حضورٌ حقٌّ وواجبٌ ورسالةٌ وخدمة.

لا أريد أن أكون متكبِّرًا، فأنا من قومٍ لا يستكبرون! ولا أريد أن أكون أكثر عروبة من العرب! فأقول بدوننا نحن المسيحيين لا عروبة! وقد قال أحد كبار المسلمين: العالم العربي الإسلامي يحتاج إلى الحضور المسيحي ليكون إسلاميًّا عربيًّا، ولكي يتحقَّق فيه العيش المشترك والديموقراطيَّة والعدالة الاجتماعيَّة والانفتاح...

أذكر من جديد كلمة السيِّد محمد حسنين هيكل عن التحوّل في النسيج الاجتماعي العربي: "لي ملاحظة تتعلَّق بمسيحيي الشرق. هناك ظاهرةُ هجرةٍ بينهم يصعب تحويل الأنظار عنها أو إغفال أمرها أو تجاهل أسبابها، حتى وإن كانت الأسباب نفسيَّة، تتصل بالمناخ السائد أكثر مما تتصل بالحقائق الواقعة فيه. أشعر أنَّ المشهد العربي كلّه سوف يختلف إنسانيًا وحضاريًا، وسوف يصبح على وجه التأكيد أكثر فقرًا وأقل ثراءً لو أنَّ ما يجري الآن من هجرة مسيحيي الشرق تُرِكَ أمره للتجاهل أو التغافل أو للمخاوف حتى وإن لم يكن لها أساس. أي خسارة لو أحسَّ مسيحييو الشرق، بحق أو بغير حق، أنَّه لا مستقبل لهم ولأولادهم فيه، ثمَّ بقي الإسلام وحيدًا في المشرق لا يؤنس وحدتَه غيرُ وجود اليهوديَّة الصهيونيَّة بالتحديد أمامه في إسرائيل".

وبرهان ذلك المؤتمر الذي دعا إليه جلالة الملك الأردني عبد الله الثاني ورعاه وأداره الأمير غازي بن محمد ( في 3 و4 أيلول 2013) بعنوان: "التحدّيات التي تواجه المسيحيين العرب". وقد عرض المشاركون بطاركة ورعاة... هذه التحديات. وعلينا كمسيحيين أن نعمل على إزالتها بالتعاون مع المسلمين لكي لا نهاجر. وقد ذكرتها في كلمتي في المؤتمر، وهذه مقاطع منها:

التحدّيات التي تواجه المسيحيين العرب


ظهور المسيحي ورسالته ودوره تواجهها تحدِّيات متنوِّعة. أختصرها في مايلي:
"التَّحديات التي تواجه المسيحيين العرب، هي تحدِّيات تواجه المواطن العربي. وهي مشتركة بين المسيحيين والمسلمين، مع بعض التفاوت.

هذه التَّحدِّيات نابعة من شروط الحياة اليوميَّة.

التَّحدِّي أمام المسيحي العربي، أن يُعتَبَر ويَعتبِر ذاته أنَّه أوَّلاً عربي ثمَّ مسيحي.
التَّحدِّي للمسيحي هو أن يكون مواطنًا بكلِّ معنى عبارة المواطنة.

    التَّحدِّي للمسيحي أن تؤمَّن له حرِّيَّة العبادة والمعتقد بدون قيود تُفرَض عليه، ولا تُفرَض على أخيه المسلم.

التَّحدِّي للمسيحي أن تؤمَّن له فرصة الدَّرس والعمل والوظيفة ولقمة العيش مثل أخيه المسلم.

    التَّحدِّي للمسيحي هو ألاَّ يشعر أنَّه مواطن من الدَّرجة الثانية لأنَّه ليس مسلمًا.

    التَّحدِّي للمسيحي هو أنَّه يُحبُّ أن يسمع آيات الإنجيل المقدَّس في وسائل الإعلام كما يسمع باحترام وتقدير آيات القرآن الكريم.

    التَّحدِّي للمسيحي هو أن تعكس مناهج التعليم في كلِّ درجاته روح الحرِّيَّة الدِّينيَّة والمساواة وقبول الآخر واحترام دينه ومعتقده. وأن يؤمَّن التَّعليم الدِّيني لجميع الطُّلاب بدون تمييز وكلٌّ حسب دينه ومعتقده.

    التَّحدِّي للمسيحي أن يكتشف دوره في مجتمعه العربي، ويشعر أنَّه شريكٌ في وطنه بكلِّ صفات الشراكة.

التَّحدِّي للمسيحي أن يعمل المسيحيُّون والمسلمون معًا لأجل تطوير مجتمعاتهم التي هي الحاضن الحقيقي للقيَم المذكورة أعلاه والتي تؤمِّن العيش المشترك الحقيقي.

    التَّحدِّي للمسيحي أن يشعر بأنَّ المسلم أخاه هو ضمانته وضمانة أمنه واستقراره.

    التَّحدِّي للمسيحي هو انقسام العالم العربي الذي هو سبب آفات مجتمعنا بمسيحيِّيه ومسلميه.

أعطوني عالماً عربيًّا إسلاميًّا متَّحدًا، أضمن لكم بقاء كلّ أولادي المسيحيين، وعدم هجرتهم.

    التَّحدِّي للمسيحي هو أنَّه يشعر أنَّه مستثنى، مهمَّش... وهذا يحمله على أن يقع في تجربة القوقعة، والانزواء، وعدم الدُّخول في الأحزاب، وعدم المشاركة في الحياة السياسيَّة والهجرة...

    أعطوا المسيحي دورًا، فرصةً، مكانًا، حصَّةً، مشاركة... أضمن لكم حلَّ الكمِّ الأكبر من مشاكل المسيحيين والتَّحدِّيَّات التي تواجههم.

    التَّحدِّي للمسيحي هو أن ينجح بأن يُشعر المسلم أنَّه شريكٌ له في الوطن وفي كلِّ مرافق الحياة. ولا يسمع فقط الشعار: الإسلام هو الحلّ! بل فلنقل المسيحيَّة والإسلام! هذا هو الحلّ.

    التَّحدِّي للمسيحي هو أن يشارك في نهضة الأمَّة العربيَّة والإسلاميَّة. ولا سيَّما وأنَّ لديه طاقاتٍ جبَّارة ليكون شريكًا لأخيه المسلم في تطوُّر مجتمعه ووطنه وبلدته وقريته وحيِّه.

    المسيحي لديه طاقاتٌ جبَّارة، وعلى المسلم أخيه وجاره وشريكه في الوطن والمواطنة أن يستفيد من هذه الطَّاقات، وهي متوفِّرة في مدارسنا المسيحيَّة ومؤسَّساتنا الخيريَّة والاجتماعيَّة والطبِّيَّة والثقافيَّة والتربويَّة والفنِّيَّة والتقنيَّة، وهي مفتوحة للجميع، ويستفيد منها عدديًّا المسلم أكثر من المسيحيّ.

التَّحدِّي للمسيحي اليوم في العالم العربي أن يشعر بأنَّ العالم العربي والإسلامي بحاجة إليه، يُقدِّر حضوره، نشاطه وخدماته...

    التَّحدِّي للمسيحي اليوم في العالم العربي أن يَشعُرَ بأنَّ الكنيسة في المشرق العربي ذي الأغلبيَّة المسلمة، هي كنيسة العرب وكنيسة الإسلام. هي كنيسة مع هذا العالم العربي ولأجل هذا العالم العربي، لأجل ازدهاره وتقدُّمه وتعمل لأجل إبراز صورة الإسلام من خلال واقع الحياة في الدَّاخل والخارج.

    التَّحدِّي أن يشعر المسيحي أنَّ أمنه من أمن أخيه المسلم. وأن يشعر المسلم أنَّ أمنه من أمن أخيه المسيحي.

التَّحدِّي للمسيحي في العالم العربي، وفيما يُسمَّى الرَّبيع العربي، أن يكون له دور في تطوُّر الأوضاع في العالم العربي، وفي حلِّ الأزمة في كلّ بلدٍ عربيّ. فلا يجوز أن يُهمَّش أو يُستثنى أو يُنسى أو تُداس حقوقه وهويَّته.

    فالمسيحيُّ جزءٌ لا يتجزَّأ من العالم العربي ومن أزماته ومشاكله وتحدِّياته، كما هو جزءٌ من حلِّها وبناء المستقبل الأفضل للأجيال الطَّالعة.

من كبريات التحديات أمام المسيحي في المجتمع العربي ذي الأغلبيَّة المسلمة، هو انقسام العالم العربي. والأكثر خطرًا انقسام العالم الإسلامي ونموّ الحركات التكفيريَّة الإسلاميَّة، والحركات الإسلاميَّة التي لا مجال فيها للآخر، للفكر الآخر، للرأي الآخر...

ومن كبريات التحديات للمسيحي في مجتمعه العربي هو دمج الدين والدولة والمجتمع في واحد. مما يمهِّد الطريق لتجاوزات تسيء إلى المواطنين وإلى المساواة وإلى الحريّات على أنواعها.

وهناك تحدٍ آخر مرتبط بالتحدّي السابق هو مفهوم الأمة. هذا المفهوم يمكن أن يلغي فكرة الوطن والمواطنة وتعدّد فئات المواطنين والنسيج التعدّدي والمجتمع التعدّدي.

وما يريح المسيحي هو أن يصير حوار مسلم مسلم حول هذه التحدّيات التي تواجه المسيحي. وهذا هو غاية هذا المؤتمر."

مسؤوليَّة مشتركة

هذه التحدِّيت على أنواعها، والتعامل معها، والأجوبة عليها مسؤوليَّة مشتركة مسيحيَّة إسلاميَّة

المسيحيّون يخافون من نموّ وانتشار الحركات التكفيريَّة المتطرِّفة. والمسلمون أيضًا يخافون منها. وكلّنا مسيحييون ومسلمون سنذهب ضحيَّتها. وهذا ما خبرناه في هاتين السنتين في سورية ومصر والعراق...

    ولهذا فإنَّني كمسيحي عربي جذوري عربيَّة (من الغساسنة) قبل الإسلام، إذا لم أكن أنا عربيًّا فالمسلم أيضًا ليس عربيًّا. لأنَّنا كلّنا مسيحيين ومسلمين من أصل واحد. ولا ننسى أنَّ أصل كثيرين من المسلمين هو المسيحيَّة، أقلّه في سورية. إذن كمسيحي عربي أُحذِّر إخوتي المسلمين من مؤامرات تحاك على الإسلام، ومن قِبَل المسلمين أنفسهم. ومن مصلحة المسلمين أن يحاربوا التكفير والتطرّف. ولنقف صفًا واحدًا مسيحيين ومسلمين أمام هذا التطرّف. وإلاّ فإنَّنا كمسيحيين سنهاجر! ويكون المسلمون سبب هجرتنا، أو بالحري الإسلام المتطرّف أو المسلم المتطرَّف التكفيري.


تجاه القضيَّة الفلسطينيَّة

من جهة أخرى فإنَّ عدم حلّ القضيَّة الفلسطينيَّة وعجز العرب والمسلمين عن حلِّها هو الذي يُعرِّض الإسلام للمزيد من التطرّف والتكفير والانحراف. وهذا هو أيضًا السبب الأكبر في هجرة المسيحيين والمسلمين أيضًا. لأنَّ هذا الصراع العربي الإسرائيلي الفلسطيني هو الذي تسبَّب في سلسلة وتسلسل أزمات ما زالت تتوالىعلى العرب مسيحيين ومسلمين في فلسطين وخارجها منذ عام 1948. ولدينا البراهين الواضحة مشفوعة بالإحصائيَّات والأرقام، التي تشير إلى موجات هجرة المسيحيين بالذات وبنوع خاص أيضًا المسلمين، التي كانت تلي كلّ أزمة! فكلّ أزمة كانت تتبعها موجة من هجرة المسيحيين!

وعدم حلّ هذا الصراع جعل العرب يتلهّون ويتاجرون بالقضيَّة الفلسطينيَّة، ولا يطوِّرون شعوبهم، ويقهرونها ويعنِّفونها متاجرين بقضيَّة الفلسطينيين... وأقول ذلك لأنَّني عشت معاناة الفلسطينيين في فلسطين على مدى 26 سنة (1974 – 2000) ولا أزال أعيشها، وهي في أولويات رسالتي وخدمتي البطريركيَّة.

    عدم حلّ القضيَّة الفلسطينيَّة والصراع  الفلسطيني العربي الإسرائيلي خدَّر الأمَّة العربيَّة كلّها والعالم العربي والدول العربيَّة، وغالبيَّتها تدين بالإسلام. مما انعكس على الإسلام والمسلمين سلبًا، وحال دون تطوّر البلاد العربيَّة نحو الأفضل.

    كما كان أيضًا السبب في قسمة العالم العربي، وحالَ دون وحدته الحقيقيَّة وتقدُّم شعوبه. هكذا ما زالت نسبة الأميَّة مرتفعة وهناك فقر وجوع... وهناك أيضًا أنظمة لا تساعد على التطوُّر الحقيقي البشري والإنساني، ولاسيَّما في مجال حقوق المرأة والتطوُّر العلمي وسواه.

    ونعرف كلّنا أنَّه قلما نجا قائد عربي من تهمة الخيانة للقضيَّة الفلسطينيَّة... وكم ساعد هذا النزاع والصراع في تأجيج المشاعر وإذكاءالبغضاء والكراهية والحقد... وعنَّف أجيالاً برمتها وشحنها بالثأر والعداء... وكأن هذا الصراع سرطان في جسم العالم العربي...

    ناهيك عن مأساة اللاجئين الفلسطينيين في البلاد العربيَّة الشقيقة الحاضنة!!! إذ أبقت الدول العربيَّة الأشقّاءَ الفلسطينيين في مخيماتهم، التي كثيرًا ما تحوَّلت إلى سجون وغيتوهات ومعسكرات وبؤرِ فسادٍ وأحزابٍ متقاتلة ومتطرفين حاقدين...

هذه كلّها مسؤوليَّة الدول العربيَّة بدرجة أولى. وهذا كلّه نتيجة انقسام العالم العربي وتشرذمه، وتفضيل مصالح كلّ بلد وفئة وحزب على مصالح الشعوب، وبالتحديد على مصالح الفلسطينيين. وهذا كلّه انعكس بنوع خاص على الوجود المسيحي.

ولهذا نخاطب الإخوة المسلمين: إذا كنتم تريدون أن يبقى المسيحيون معكم في بلدهم وأرضهم وتراثهم، فهناك أمران هامّان: حلّ القضيَّة الفلسطينيَّة والعمل بجد على تطوير قِيَم الإسلام الحنيف الحقيقي، بعيدًا عن الإسلام السياسي والتكفيري والسلفي وعن كلّ الأوصاف السلبيَّة التي تُلصَق بلإسلام. وعلى الإسلام والمسلمين أن يَحموا إسلامهم من هذه التيارات التي تسيئ أولاً إلى الإسلام عربيًّا وعالميًّا، كما تتسبَّب بقسطٍ كبير بهجرة المسيحيين العرب، وتحرم العالم العربي والشرق المسيحي مهد المسيحيَّة، من حضورهم ودورهم ورسالتهم الرائعة التي قاموا بها خدمةً للعالم العربي والإسلامي على مدى العصور كلّها، ومنذ نشأة المسيحيين قبل أكثر من ألفي سنة!

دور المسيحيين في مهد المسيحيَّة: إظهار المسيح المحبّ البشر

هذا الإله المحبّ البشر يدعو جميع البشر إلى محبَّته، وإلى إظهار محبَّته للبشر من خلال البشر.

هذا الإله المحبّ البشر، على كلّ البشر أن يحملوا محبَّته إلى جميع البشر أترابهم. على تلاميذه والمؤمنين به أن يُظهروا للعالم مثل مريم العذراء أمّه الطاهرة، أن يُظهروا هذا الإله المحبّ البشر!

مريم ابنة هذا المشرق، إبنة الناصرة، إبنة فلسطين، أظهرت الربَّ المحبَّ البشر، في أرضنا، في بيت لحم، في الناصرة، في الضفّة الغربيّة، في مشرقنا العربي...

واليوم من يُظهر الربَّ يسوع المحبَّ البشر؟ إنَّهم أولئك المسيحيّون الذين دُعوا أولاً مسيحيين في أنطاكية، وفي دمشق، وفي صور وصيدا وفي هذا الشرق المسيحي مهد المسيحيَّة.

أنتَ ابن مريم التي أظهرتِ المسيحَ الربّ المحبّ البشر! هل يمكنكَ أن تتنصَّل من رسالة أمّك، ومن وظيفة أمّك، ومن دور أمّك، ومن شرف أمّك مريم التي أظهرت المسيح المحبّ البشر وأعطته لهذا العالم المشرقي، ومن خلاله أعطته للعالم بأسره انطلاقًا من الشرق؟

أتتقاعس عن هذا الدور المريمي، الذي أصبح دورك بحكم تاريخك وجغرافيَّتك وتراثك ولغتك وتقاليدك وكنائسك وأديارك وقدّيسيك...؟!

ومَنْ سواك يمكنه أن يقوم بهذه الرسالة، وهذا الدور وهذه المهمَّة، وهذه الوظيفة، وهذا العمل؟ ومع العلم أنَّه إذا لم تقم به أنت فلا أحد غيرك يمكنه أن يقوم به إطلاقًا!

    هذا هو فحوى رسالتي الميلاديَّة لهذا العام! رسالتي مختصرة واضحة: مريم أظهرت المسيح المحبّ البشر! اليوم من يُظهر المسيح الربَّ المحبّ البشر، هنا في سورية ولبنان وفلسطين والأردن ومصر والعراق والكويت والخليج العربي وحتى في السعودية، وفي كلّ أرجاء هذا الوطن العربي الذي نحن فيه السكان الأصليون المسيحيّون العرب قبل الإسلام ومع الإسلام على مدى 1435 سنة، ومع اليهود، ومع سكان هذا المشرق العربي بجميع طوائفه؟ من يُظهر المسيحَ الربَّ المحبّ البشر سواك أنت المسيحي؟ وأنتَ الشاب وأنتِ الشابة؟ أنتَ الوزير المسيحي والنائب المسيحي والتاجر المسيحي والطبيب المسيحي والجندي المسيحي، والسياسي المسيحي؟

من يقرع جرس الكنيسة؟ من يعتمد في جرن المعموديَّة ويُدهن بالميرون المقدّس؟ على رأس من توضع أكاليل الزواج المسيحي المقدّس؟ من يُقبِّل الأيقونات المقدَّسة؟ من يُرنِّم بأناشيد القيامة والأعياد المقدَّسة؟ من يحتفل بعيد جاورجيوس والياس وحنّا وتقلا وبربارة... من يحتفل بعيد الميلاد ومن يُزيِّن شجرة الميلاد... ومن يزيِّن مغارة الميلاد ويوقد أنوارها... ومن يحتفل بعيد القيامة المجيدة، ويهتف المسيح قام! ويجيب حقًا قام!

بدونك يا أخي المسيحي! يا أختي المسيحيَّة! هذا كلّه يتبدَّد ويُبدَّد! بسبب أحداث سورية أكثر من ثلاثين كنيسة لم يُقرع فيها جرس، ولم تُقَم فيها صلاة ولم يعظ فيها كاهن، ولم يُحتفَل فيهابالقدّاس الإلهي... ولم يعمَّد فيها طفل! ولم يكلَّل فيها عروسان! ولم يرنَّم فيها نشيد! ولم ترتفع فيها أيادٍ ضارعة! ولم يدخل فيها طفل رضيع إلى هيكل الربّ! ولم تتلَ صلاة الجنازة على راقدٍ انتقل إلى الله شهيدًا أو مريضًا أو عاجزًا. ولم يُسرَج فيها قنديل بزيت زيتون حقولنا! ولم توقد فيها شمعةٌ تشير إلى المسيح نور كلّ إنسان آتٍ إلى العالم، ولم تصعد فيها رائحة بخورٍ زكيّة، ولم يَصدَح فيها صوتُ مرنّمٍ أو نشيدُ جوقةٍ ملهمة مطربة! ولم تُقرع أجراس القيامة، ولم يكن زياح أحد الشعانين، ولم يطف بالأطفال بشموعهم وثيابهم البيضاء.

بدونك أيُّها المسيحي المشرقي لن يسمعَ أخٌ مسلمٌ جرسَ كنيسةٍ ولا نشيدَ منشدٍ ولا جوقةَ فرحٍ أو قريةٍ أو ديرٍ أو جماعةٍ، ولن تكون مسيراتٌ مريميَّة، ولن تُسمعَ الأناشيدُ المريميَّة، ولن تُقامَ زياحاتٌ ولا تطوافاتٌ بأيقونةٍ أو صليبٍ أو صورةِ قدّيسٍ من بلادنا ومن عائلاتنا وقرانا...

من يقول المسيح ربّ؟ ومن يقول المسيح قام! من يقول ميلاد سعيد؟ وفصح مجيد؟ من يبادل المسلمين التهاني بأعيادهم، ومن يبادلنا التهاني بأعيادنا؟ ومن يتابع العيش المشترك؟ ومن يكون ملحَ الأرض العربيَّة ونورَ المسيح في مشرقه وخميرةَ الخير في مجتمعاته؟ ومن يتلو الإنجيل؟ ومن يرنِّم مدائح العذراء مريم أو يصلّي مسبحتها أو يزور مقاماتها...

هذا كلّه هو إظهار المسيح الربّ المحبّ البشر! وهذا كلّه سيزول بدونك أيُّها المؤمن المسيحي المشرقي!

بكَ يظهر المسيح الربّ المحبّ البشر! وبدونك لا يظهر المسيحُ، ولا إنجيلهُ ولا قيمُهُ ولا تعاليمُهُ ولا عجائبُهُ...

مريم تظهر الربّ المحبّ البشر!
الميلاد ظهور المسيح الربّ المحبّ البشر!
المسيحيَّة هي ظهور المسيح الربّ المحبّ البشر!
المسيحي الحقيقي هو الذي يظهر المسيح الربّ المحبّ البشر!

نريد مسيحيين قادرين أن يُظهروا المسيحَ الربَّ المحبَّ البشر، وأن يُظهِرُوا الإنجيلَ وقيمَه وتعاليمَ السيِّدِ المسيح وعجائبَه! نريد مسيحيين يُظهرون المسيحَ في حياتهم ومسلكهم وعملهم وحضورهم وشهادتهم وانتمائهم وانخراطهم في مجتمعهم وعملهم السياسي وخدماتهم في كلّ مرافق حياة مجتمعهم.

الكنيسة هي جماعة مؤمنين قادرين أن يظهروا المسيح الربّ المحبّ البشر... كنيسة هويَّتها واضحة ناصعة ثابتة صامدة، هوية ظاهرة أمام الجميع، تؤدّي دورها ورسالتها أمام الجميع بدون خجل أو حياء أو خوف أو ذلٍّ... إنَّ حرصنا على الوجود المسيحي هو نابع من هذه القناعات.

الدعوة إلى البقاء هنا وعدم الهجرة!


لهذا ندعو مؤمنينا إلى الصبر في الضيقات، لاسيَّما في خضم الأزمات الخانقة المدمِّرة الدامية المأساويَّة في عالمنا العربي، ولاسيَّما في سورية، وأيضًا في العراق ومصر ولبنان بدرجات متفاوتة...

ولهذا ندعو إلى عدم الهجرة والثبات في الأرض والقرية والحي بالرغم من الصعوبة التي كلّنا نعرفها، ونشعر بها، ونتألَّم لأجل ألم ومعاناة إخوتنا وأخواتنا، ونترحَّم على شهدائنا، ونتوجَّع مع أوجاع وجراحات وإعاقات وآلام جرحانا في المشافي والبيوت... ونبذل أقصى الجهود لنخفِّف معاناة الملايين من مواطنينا النازحين في الداخل أو إلى الخارج ولأجل إعتاق سراح المخطوفين مطارنة وكهنة ومؤمنين...

أجل نريد أن نحافظ على هذا الوجود المسيحي القوي، المؤمن، المقتنع، الصامد، العميق، المنفتح المتفاعل المتحاور، الفاعل المؤثِّر، الهادئ الشاهد، القادر على حمل الشهادة والراية والقيم والرؤية المسيحيَّة الحقيقيَّة، في مجتمعه ذي الأغلبيَّة المسلمة لكي يكون مع هذا المجتمع ولأجل هذا المجتمع لكي يَظهر فيه المسيحُ الربُّ المحبُّ البشر الإلهُ الكثيرُ المراحم، الذي تجسَّد وأتى إلى عالمنا لكي يحمل إلى الناس الإنجيل المقدَّس، أي بشرى الخير والإيمان والرجاء والمحبَّة. وأتى إلى أرضنا لكي يجمع أبناء الله، أبناء البشر المتفرقين إلى واحد، ويَهدمَ حائط العداوة بين البشر، وينشرَ راية السلام والمحبَّة والغفران والعدل والأخوَّة الشاملة. لأنَّ الجميع مخلوقون على صورة الله ومثاله، لكي تكون لهم جميعًا الحياة وتكون لهم بوفرة.

المسيحي القادر أن يصبر ويثبت ويحمل هذه الرسالة المقدَّسة، هذا هو الذي يصمد ولا يهاجر ويحتمل الآلام والويلات والمصائب ويقبل حتى الشهادة، لأجل أن يحمل إلى عالمه نور المسيح الذي هو النور الذي ينير كلّ إنسان آتٍ إلى العالم! كما نُعلن في ليترجيا قدّاس الصوم الكبير: "إنَّ نور المسيح يضيء للجميع".

نريد مثل هؤلاء المسيحيين! يحملون إلى مجتمعهم بشرى الإنجيل، بشرى الخير والسلام، ويُظهِرونَ في حياتهم وأعمالهم الربَّ يسوعَ الإلهَ المحبَّ البشر! هؤلاء يحافظون على الحضور المسيحي في الشرق!

وأحب أن أطلق هذا الشعار:

حضور مسيحي بدون الالتزام برسالة مسيحيَّة ودور مسيحي لا معنى له! ورسالة مسيحيَّة بدون حضور مسيحي غير ممكنة! ولذلك فإنَّه مهمّ جدًا أن نربط الحضور المسيحي بالرسالة المسيحيَّة والدور المسيحي!

إذا هاجرنا من يُظهر المسيح المحبّ البشر!

إذا أُغلقتْ أديارنا من يُظهر المسيح المحبّ البشر!

إذا أُغلقتْ كنائسُنا من يُظهر المسيح المحبّ البشر!

إذا اندثرتْ مؤسَّساتنا الخيريَّة والاجتماعيَّة، من يُظهر المسيح المحبّ البشر!

أنا ضد الهجرة. ولأجل هذه الأسباب أدعو إلى الحدّ منها، وإلى حدِّ وإزالة أسبابها.

أقول ذلك بكلّ حبٍّ لإخوتي أمام ضيق وآلام ومخاوف ومعاناة هذه الأيام، وفي الأزمة السوريَّة المأساويَّة الدامية المدمِّرة! أقول لهم مع ذلك: إبقَوا! بالرغم من شعوري العميق بآلامهم ومواكبتي لمعاناتهم. ولديَّ وثيقة بعنوان: يوميّات البطريرك المأساويَّة الدامية! ذلك أنَّني أعايش يوميًّا ويومًا بعد يوم هنا في سورية وخارجها ليلاً ونهارًا في حلّي وترحالي، بالتلفون أو في اللقاءات والمقابلات والاتصالات على أنواعها والمؤتمرات والمساعي لجمع المساعدات... أعيش أزمة سورية ومعاناة المواطنين جميعًا على اختلاف معتقدهم ودينهم وتوجّههم، ولاسيَّما إخوتي وأخواتي المسيحيين.

مع ذلك أقول لهم: لا تهاجروا! تصبَّروا! تجلَّدوا! تعلَّموا الصبر من إخوتنا المسلمين. لا تخافوا! اسمعوا كلمة يسوع وليس كلمتي. يقول لكم يسوع: لا تخافوا!

أنا لا أُلزِم أحدًا على البقاء! وأنا لم أتَّصل بأيَّة سفارة (كما يُشيَّع عني) لمنع إعطاء أيَّة تأشيرة سفر... ولكنّي أعظ وأكرز وأصرِّح وأنصح: إبقَوا هنا! وكم نلتُ من الاستحسان والتصفيق لهذا النداء! وأيضًا انتقادًا!

وسأبقى في هذا الخط. لأنَّني أريد أن أبقى لكي أُظهر المسيح المحبّ البشر هنا، الآن وغدًا... وأريد أن تبقوا أنتم أيضًا لكي تُظهروا معي المسيح الربّ المحبّ البشر هنا والآن وغدًا. ولكي نبقى نعمل معًا لأجل عالمٍ متعدِّد منفتح، حرٍّ، كريمٍ، وديموقراطيّ نكون أفضل بناته!

-    يجب أن نبقى معًا مسيحيِّين ومسلمين ونبني معًا سورية المتجدِّدة والعالم العربي المتجدِّد!

-    يمكن أن نبقى مسيحيِّين ومسلمين معًا ونبني معًا سورية المتجدِّدة والعالم العربي المتجدِّد!

-    نريد أن نبقى معًا مسيحيِّين ومسلمين ونبني معًا سورية المتجدِّدة والعالم العربي المتجدِّد!

هذا بيت القصيد! وهذا معنى وجودي كمسيحيّ وكراعٍ وكبطريرك وكمواطن سوري عربي مسيحي!

راحيل تبكي على بنيها

    دموع كثيرة رافقت ميلاد السيِّد المسيح عندما قام الملك هيرودس بمجزرة أطفال بيت لحم من عمر سنتين وما دون، في محاولة لقتل المسيح في مهده.

    واليوم دموع كثيرة تتفجَّر في كلِّ مكان في مشرقنا العربي، لا سيَّما في سورية الحزينة ومصر والعراق. ويتم في عائلاتنا وأمهاتنا قول النبي: "راحيل تبكي على بنيها وتأبى أن تتعزّى" (متى 18:2).

كنت بدأت أُعدّ رسالة الميلاد في شهر تموز 2013. أمَّا هذا المقطع الأخير فقد كتبته على أثر تفاقم أهوال الأزمة السوريَّة المتردّية يومًا بعد يوم، وبالضبط يوم الحادي والعشرين من آب 2013 الذي كان يومًا دمويًا أسود قاتمًا حزينًا، حيث كانت معركة حامية الوطيس حول دمشق، حيث قُتل 1300 شخصًا، وحيث سقطت حوالي 40 قذيفة في نواحي مختلفة من دمشق، ولا سيَّما على الأحياء حول باب توما وباب شرقي. هذه المنطقة التي فيها حوالي مئة أثر مسيحي: كنيسة، بطريركيَّة، مطرانيَّة، دير رهبان، راهبات، مدرسة، ميتم، مؤسَّسة اجتماعيَّة، بيت للمعوقين، مركز شباب، أخويَّة، جمعيَّة خيريَّة... وبين باب توما وباب شرقي... لقد وجدتُ نفسي حزينة، وبكيتُ في ذلك النهار على وضع بلدي الحبيب سورية. ووردت على خاطري العبارة التي تصف وضع راحيل الثكلى على أبنائها...

كما أنَّ هذه الأحداث المأساويَّة توالت على المنطقة في آب نفسه: في العراق (بدون توقف). وفي بيروت لاسيَّما تفجير الضاحية الجنوبيَّة من بيروت، وفي طرابلس، وفي مصر حيث سالت الدماء أنهارًا في كلّ أنحاء مصر. ودُمِّرَت أو تضرَّرت أو هوجمت حوالي مئة كنيسة، ودُمِّرَت جوامع ومؤسَّسات وحوانيت ومدارس...

هذه المآسي طالت بعواقبها وأذيالها كل رعايانا وأبرشيَّاتنا في لبنان وسورية ومصر والعراق. وبعض الشيء في الأردن. ففي سورية أحرقت ودُّمِرت وتضرَّرت بعض كنائسنا وبخاصَّة فيمعلولا التي تعتبر منأقدس وأقدم المواقع المسيحيَّة والتراث المسيحيومهد المسيحيَّة، وأيضًا في حمص والرقة ويبرود وصدد... وكافة أنحاء سورية... وهذا لم تعرفه سورية في تاريخها. وهو أعمال إجراميَّة غريبة عن تاريخ بلادنا العربيَّة عمومًا.

كلّنا أصبحنا راحيل الباكية الحزينة المفجوعة. ولا يزال الأطفال كما جرى في بيت لحم قبل ألفي سنة، ضحيَّة الحروب والنزاعات. وهم الآن نازحون، مشرَّدون مع أو بدون أهلهم. وقد نشرت إحصائيَّة ذكرت أنَّ هناك مليوني طفل سوري معنَّف أُصيبوا بأمراض نفسيَّة مدمِّرة.

أجل راحيل تبكي بنيها! سورية تبكي بنيها! كلّ أسرة تبكي بنيها! شهداءَها! مخطوفيها! مفقوديها! جرحاها! معوَّقيها!... أطفالها! رجالها! شبابها! نساءَها! كهولها! شيوخها! كهنتها! مطارنتها!

إلى الأم سورية الباكية المتألِّمة النازفة دمًا! الحزينة! الصابرة! المجاهدة! المؤمنة! الراجية! الواثقة برحمة الله وعنايته! النبيلة! الشريفة! العظيمة! إلى هذه الأم أُهدي هذه الرسالة الميلاديَّة. وقد كتبتها بالدموع والصلاة والأمل والرجاء والثقة والاستسلام لإرادة الله... وأُصلِّي لكي يعود الحبّ والرجاء والأمل والأمن والأمان والسلام والتضامن والتراحم والمودَّة إلى ربوع بلدنا الحبيب سورية وإلى باقي بلداننا العربيَّة...

التهنئة بعيد الميلاد

بقلبٍ متألِّم والدموع تملأ العيون أكتب هذه الرسالة إلى إخوتي المطارنة وأبنائي الكهنة والرهبان وبناتي الراهبات، وإلى جميع مؤمني ومؤمنات كنيستنا الرُّوميَّة الملكيَّة الكاثوليكيَّة في العالم العربي وبلاد الانتشار، وإلى الأصدقاء والأحبّاء والمحسنين!

إنَّها السنة الثالثة للحرب والأزمة في سورية.

يوم الجمعة العظيمة 2013 كتبت للبابا رسالة حول الصلب، قلت للبابا: نحن نحمل الصليب على مدى سنتين ونصف، نحتاج إلى مساعدته ليحمل الصليب معنا.

هذا ما حدث: ما زال قداسته يردِّد الأدعية لأجل سورية الحبيبة... وعندما اشتدَّت الأزمة وبلغت ذروتها في آب 2013 أطلق البابا نداءَه الرائع المؤِّيد القوي: لا ضربة على سورية، ودعا إلى الصوم والصلاة لأجل سورية في العالم أجمع!

وانضم العالم كلّه إلى البابا! وسقطت معلولا المدينة التراث والحضور المسيحي على مدى ألفي سنة، ودخلت سورية إلى ضمير العالم بطرق ثلاثة:

1.    التهديد بضربة على سورية.
2.    سقوط معلولا صرخة في ضمير العالم.
3.    الدعوة للصوم والصلاة لأجل سورية، من قِبَل قداسة البابا فرنسيس المحبوب!

وحدثت الأعجوبة وتغيَّرت الصورة! وهدأت العاصفة! وتذكرتُ الزوبعة في البحيرة! وأتى يسوع وهدَّأ العاصفة! وأتى فرنسيس وهدَّأ العاصفة. وانضمَّت الكنيسة كلّها والكنائس كلّها وانضمَّ العالم في توجّه واحد إلى البابا، إلى طريق السلام، إلى جنيف، إلى اللقاء، إلى المصالحة، إلى السلام، وإلى بناء مستقبل أفضل.

في اجتماع مجلس الكنائس العالمي في جنيف في 18 أيلول دعوتُ إلى ما يلي:
حملة كنسيَّة عالميَّة محليَّة، عالميَّة إقليميَّة، بالجملة وبكلِّ الطرق ودعوت إلى:
-    لا سلاح! لا عنف! لا حرب!
-    سلام ومصالحة وحوار!
-    الذهاب إلى جنيف
-    العمل على متابعة العيش المشترك المسيحي الإسلامي في المشرق العربي.

هذا هو المستقبل الواعد. هذا هو التوجُّه الذي يجعل شعلة الأمل دائمًا مشتعلة في قلوبنا، في سورية، في المشرق، في العالم كما دعا إليه البابا فرنسيس.

إلى هذا أدعوكم. كما أتى فرنسيس ليحمل معنا في سورية صليب آلامنا ومعاناتنا، ندعوكم أيُّها الأصدقاء لتحملوا معنا الصليب وتساعدونا لكي نبلغ إلى فجر القيامة!

أتمنَّى لكم ميلادًا سعيدًا وسنة سلام وأمان واستقرار ونجاح.

وشكرًا لكم ولكلّ من وقف إلى جانبنا لتخفيف معاناة الناس حولنا!
وكلّ عام وأنتم بخير.

مع محبَّتي وبَرَكَتي ودعائي